مجمع البحوث الاسلامية
489
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
نورا وهدى وبيانا وتبيانا لكلّ شيء ؟ ! ولعلّ الدّراسة الواعية الدّقيقة للقرآن في كلّ موضوعاته الفكريّة والعقيديّة والتّشريعيّة ، ومفاهيمه العامّة المنفتحة على حقائق الكون والحياة والإنسان وعالم الغيب والشّهادة ، توحي للقارئ الباحث بأنّ آيات القرآن تتكامل في بناء الفكر الإسلاميّ ، فإذا كانت هذه الآية توحي بمعنى في بادئ الأمر ، فإنّ الآية الأخرى تفسّرها لتلتقي به في معنى واحد ، وإذا جاء الحكم الشّرعيّ في بعضها عامّا أو مطلقا ، فإنّنا نلتقي في بعضها الآخر بما يخصّصه أو يقيّده ، فلا يجد الإنسان فيه اختلافا بين أفكاره ، أو تنافرا بين آياته ، أو غموضا في معانيه ، بل هو الوضوح الّذي يستمدّ طبيعته من طبيعة الألفاظ في معانيها الموضوعة ، ومن عمق التّدبّر في أغوارها العميقة ، ومن المقارنة الموضوعيّة بينها في عمليّة التّكامل في حركة الأفكار في بنيتها الأساسيّة . وهذا هو الّذي أراده اللّه من عباده في الأمر بالتّدبّر للقرآن في قوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً النّساء : 82 ، فإنّ إدراك هذه الحقيقة ، تفرض على الإنسان أن يدرس القرآن كلّه ، في جميع آياته وموضوعاته ، ليأخذ الفكرة الكاملة ، وأن يتعمّق في دراسته بعيدا عن القراءة السّطحيّة ، ليعرف كيف يجعل الآية هنا ، مفسّرة للآية هناك ، أو يأخذ من هذه الآية جانبا من المعنى ، ويأخذ من الأخرى جانبا آخر ، وذلك من خلال الثّقافة الواسعة العميقة في اللّغة العربيّة ، الّتي تربّي له ذوقه اللّغويّ ، بحيث يفهم المعاني من الألفاظ من خلال أسرار اللّغة في دقائقها وتنوّعاتها ، ومن خلال الذّهنيّة المنفتحة على حقائق الكون والحياة والإنسان ؛ الأمر الّذي يملك معه فهم القرآن في الجانب اللّغويّ والفكريّ والعمليّ معا في كلّ آياته المحكمة والمتشابهة . المنحرفون يفسّرون القرآن بأهوائهم : وهذا ما يحمي الإنسان من الانحراف في وعي الأسلوب القرآنيّ في الفهم والتّفسير ، فيبتعد به عن الطّريقة الّتي يتأوّل بها اللّفظ الدّالّ على معنى في غير الاتّجاه الّذي انطلق فيه ، من غير دليل قرآنيّ يوحي به أو يدلّ عليه ، لأنّه يريد أن يجعل القرآن حجّة على ما يفكّر به أو ينتمي إليه ، فيستغلّ قابليّة اللّفظ له ، فيحمله عليه ، في الوقت الّذي لا يستطيع القارئ الواعي أن يفهم منه ذلك بطريقة طبيعيّة . فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ وميل عن خطّ التّوازن في الفكر والاستقامة في الخطّ ، من هؤلاء الّذين يعيشون الارتباك الفكريّ والقلق الرّوحيّ والضّياع العمليّ ، فلا يلجأون إلى ركن وثيق من الحجّة القاطعة الواضحة ، ولا ينطلقون من فكر عميق واسع ، ومن خطّ مستقيم واضح ، فهم لا يتحرّكون من موقع إيمانهم بالحقيقة الواقعيّة الّتي تناديهم في إيجاءاتها الفكريّة الإنسانيّة للبحث عنها والسّعي إليها ، بل يتحرّكون من خلال تلبية حاجاتهم ، وتحريك أطماعهم ، وتوجيه طموحاتهم نحو الأهداف الخبيثة ، فيبحثون عن أيّ مبرّر للحصول على ما يريدون ، بعيدا عن الشّروط الأخلاقيّة لذلك ، لأنّ المهمّ لديهم أن