مجمع البحوث الاسلامية

484

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أيضا . وهذا أشبه ببعض الكتب المدرسيّة الّتي أنيط فيها شرح بعض المواضيع إلى المدرّس نفسه ، لكي لا تنقطع علاقة التّلاميذ بأستاذهم ، لكي يستمرّوا ، بسبب حاجاتهم هذه ، في التّزوّد منه على مختلف الأصعدة . وهذا أيضا مصداق وصيّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حين قال : « إنّي تارك فيكم الثّقلين كتاب اللّه وعترتي : أهل بيتي ، وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » [ ثم نقل معنى التّأويل والرّاسخون في العلم وأدام : ] نتيجة الكلام في تفسير الآية : من كلّ ما مرّ قوله تفسيرا لهذه الآية نستنتج أنّ آيات القرآن قسمان : قسم معانيها واضحة جدّا بحيث لا يمكن إنكارها ، ولا إساءة تأويلها وتفسيرها ، وهذه هي الآيات المحكمات . وقسم آخر مواضيعها رفيعة المستوى ، أو أنّها تدور حول عوالم بعيدة عن متناول أيدينا ، كعلم الغيب ، وعالم يوم القيامة ، وصفات اللّه ، بحيث إنّ معرفة معانيها النّهائيّة وإدراك كنه أسرارها يستلزم مستوى عاليا من العلم ، وهذه هي الآيات المتشابهات . المنحرفون والشّذّاذ يسعون لاستخدام إبهام هذه الآيات لتفسيرها بحسب أهوائهم وبخلاف الحقّ ، لكي يثيروا الفتنة بين النّاس ويضلّوهم عن الطّريق المستقيم . بيد أنّ اللّه والرّاسخين في العلم يعرفون أسرار هذه الآيات ويشرحونها للنّاس ، فهم بعلمهم الواسع يفهمون المتشابهات كما يفهمون المحكمات ، ولذلك فإنّهم يسلّمون لها قائلين : إنّها جميعا من عند اللّه يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا . وعلى هذا يكون الرّسوخ في العلم سببا في أن يزداد الإنسان معرفة بأسرار القرآن . ولا شكّ أنّ الّذين رسخوا في العلم أكثر من غيرهم كالنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وأئمّة الهدى ، يعلمون جميع أسرار القرآن ، بينما الآخرون يعلمون منها كلّ بقدر سعة علمه . وهذه الحقيقة هي الّتي تدفع النّاس ، وحتّى العلماء منهم ، للبحث عن المعلّمين الإلهييّن ، ليتعلّموا منهم أسرار القرآن . وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ . تشير هذه الجملة في ختام الآية إلى أنّ هذه الحقائق يعرفها المفكّرون وحدهم ، فهم الّذين يدركون لماذا ينبغي أن يكون في القرآن محكمات ومتشابهات ، وهم الّذين يعلمون أنّه يجب وضع المتشابهات إلى جانب المحكمات لكشفها . لذلك فقد نقل عن الإمام عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام أنّه قال : « من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم » . ( 2 : 288 - 290 ) فضل اللّه : المحكم والمتشابه والتّأويل : لقد دار جدل كثير حول المراد من كلمات « المحكم » و « المتشابه » و « التّأويل » الواردة في الآية الأولى موضوع النّظر والتّأمّل ، كما تعدّدت وتنوّعت الآراء حول معانيها ، الأمر الّذي أدخلها دائرة الإجمال . ونحن هنا نريد استيحاء الفكرة العامّة للآية من خلال الجوّ الّذي يحيط بها ، والسّياق الّذي تتحرّك فيه . السّياق العامّ للآية : فقد نلاحظ في ما سبقها من آيات ، أنّ الحديث