مجمع البحوث الاسلامية
482
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
للخلاف ، فيقال له : « قول محكم » . وعليه فإنّ الآيات المحكمات هي الآيات ذات المفاهيم الواضحة الّتي لا مجال للجدل والخلاف بشأنها ، كآية : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الإخلاص : 1 ، و لَيْسَ كَمِثْلِهِ الشّورى : 11 ، و اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ الرّعد : 16 ، و لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ النّساء : 11 ، وآلاف أخرى مثلها ، ممّا تتعلّق بالعقائد والأحكام والمواعظ والتّواريخ ، فهي كلّها من المحكمات . هذه الآيات المحكمات تسمّى في القرآن أمّ الكتاب ، أي هي الأصل والمرجع والمفسّرة والموضّحة للآيات الأخرى . والمتشابهات : هو ما تتشابه أجزاؤه المختلفة ، ولذلك فالجمل والكلمات الّتي معانيها معقّدة وتنطوي على احتمالات مختلفة ، توصف بأنّها متشابهة ، وهذا هو المقصود من وصف بعض آيات القرآن بأنّها متشابهات ، أي الآيات الّتي تبدو معانيها لأوّل وهلة معقّدة وذات احتمالات متعدّدة ، ولكنّها تتّضح معانيها بعرضها على الآيات المحكمات ، على الرّغم من أنّ المفسّرين أوردوا احتمالات متعدّدة في تفسير المحكم والمتشابه ، ولكن الّذي قلناه يناسب المعنى الأصليّ لهذين المصطلحين ، كما يتّفق مع سبب نزول الآية ، وكذلك مع الأحاديث الواردة في تفسير هذه الآية ، ومع الآية نفسها ، ذلك لأنّنا نقرأ بعد ذلك أنّ المغرضين يتّخذون من الآيات المتشابهات وسيلة لإثارة الفتنة . وهم بالطّبع يبحثون لهذا الغرض عن الآيات الّتي يتحمّل ظاهرها تفسيرات متعدّدة . وهذا نفسه يدلّ على أنّ معنى المتشابه هو ذاك الّذي قلناه . لذكر نماذج من الآيات المتشابهات يمكن إدراج بعض الآيات الّتي تخصّ صفات اللّه والمعاد . مثل : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ الفتح : 10 ، بشأن قدرة اللّه ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ التّوبة : 98 ، بشأن علم اللّه ، و وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ الأنبياء : 47 ، بشأن طريقة حساب الأعمال . بديهيّ أنّ اللّه لا يد له بمعنى العضو ، ولا أذن بالمعنى نفسه ، ولا ميزان مثل موازيننا يزن بها الأعمال . هذه كنايات عن مفاهيم كلّيّة لقدرة اللّه وعلمه وميزانه . لا بدّ من الإشارة إلى أنّ كلمتي المحكم والمتشابه قد وردتا في القرآن بمعنى آخر . ففي أوّل سورة هود نقرأ : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ فهنا أشير إلى أنّ جميع آيات القرآن محكمات ، والقصد هنا هو قوّة التّرابط والتّماسك بينها . وفي الآية : 23 ، من سورة الزّمر نقرأ : كِتاباً مُتَشابِهاً ، أي الكتاب الّذي كلّ آياته متشابهات ، وهي هنا بمعنى التّماثل من حيث صحّتها وحقيقتها . يتّضح ممّا قلنا بشأن المحكم والمتشابه ، أنّ الإنسان الواقعيّ الباحث عن الحقيقة لا بدّ له لفهم كلام اللّه أن يضع الآيات جنبا إلى جنب ثمّ يستخرج منها الحقيقة . فإذا لاحظ في ظاهر بعض الآيات إبهاما وتعقيدا ، فعليه أن يرجع إلى آيات أخر لرفع ذلك الإبهام والتّعقيد ليصل إلى كنهها . تعتبر الآيات المحكمات في الواقع أشبه بالشّارع الرّئيسيّ ، والمتشابهات أشبه بالشّوارع الفرعيّة ، لا شكّ