مجمع البحوث الاسلامية

477

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وإذا تأمّلت ما وصفه اللّه تعالى في كتابه من أسماء ذاته وصفاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله ، والقيامة وما يتعلّق بها ، وحكم أحكامه وملاكاتها ، وتأمّلت ما نرومه في تفسيرها من إعمال القرائن العقليّة ، وجدت أنّ ذلك كلّه من قبيل التّفسير بالرّأي ، من غير علم ، وتحريف لكلمه عن مواضعها . وقد تقدّم في الفصل الخامس من البحث في المحكم والمتشابه : أنّ البيانات القرآنيّة بالنّسبة إلى المعارف الإلهيّة كالأمثال ، أو هي أمثال بالنّسبة إلى ممثلاتها ، وقد فرّقت في الآيات المتفرّقة وبيّنت ببيانات مختلفة ، ليتبيّن ببعض الآيات ما يمكن أن يختفي معناه في بعض ، ولذلك كان بعضها شاهدا على البعض والآية مفسّرة للآية . ولولا ذلك لاختلّ أمر المعارف الإلهيّة في حقائقها ، ولم يمكن التّخلّص في تفسير الآية من القول بغير علم ، على ما تقدّم بيانه . ومن هنا يظهر أنّ التّفسير بالرّأي كما بيّنّاه لا يخلو عن القول بغير علم ، كما يشير الحديث النّبويّ السّابق : « من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النّار » . ومن هنا يظهر أيضا أنّ ذلك يؤدّي إلى ظهور التّنافي بين الآيات القرآنيّة من حيث إبطاله التّرتيب المعنويّ الموجود في مضامينها ، فيؤدّي إلى وقوع الآية في غير موقعها ، ووضع الكلمة في غير موضعها ، ويلزمها تأويل بعض القرآن أو أكثر آياتها بصرفها عن ظاهرها ، كما يتأوّل المجبّرة آيات الاختيار ، والمفوّضة آيات القدر ، وغالب المذاهب في الإسلام لا يخلو عن التّأوّل في الآيات القرآنيّة ، وهي الآيات الّتي لا يوافق ظاهرها مذهبهم ، فيتشبّثون في ذلك بذيل التّأويل استنادا إلى القرينة العقليّة ، وهو قولهم : إنّ الظّاهر الفلانيّ قد ثبت خلافه عند العقل ، فيجب صرف الكلام عنه . وبالجملة يؤدّي ذلك إلى اختلاط الآيات بعضها ببعض ببطلان ترتيبها ، ودفع مقاصد بعضها ببعض ، ويبطل بذلك المرادان جميعا ؛ إذ لا اختلاف في القرآن ، فظهور الاختلاف بين الآيات بعضها مع بعض ، ليس إلّا لاختلال الأمر ، واختلاط المراد فيهما معا . وهذا هو الّذي ورد التّعبير عنه في الرّوايات بضرب بعض القرآن ببعض ، كما في الرّوايات التّالية : في « الكافي » وتفسير « العيّاشيّ » عن الصّادق عن أبيه عليهما السّلام قال : « ما ضرب رجل من القرآن بعضه ببعض إلّا كفر » . وفي « المعاني » و « المحاسن » مسندا ، وفي تفسير « العيّاشيّ » عن الصّادق عليه السّلام [ مثله ] . قال الصّدوق سألت ابن الوليد عن معنى هذا الحديث ، فقال : هو أن تجيب الرّجل في تفسير آية بتفسير آية أخرى . أقول : ما أجاب به لا يخلو عن إبهام ، فإن أراد به الخلط المذكور ، وما هو المعمول عند الباحثين في مناظراتهم من معارضة الآية بالآية ، وتأويل البعض بالتّمسّك بالبعض فحقّ ، وإن أراد به تفسير الآية بالآية ، والاستشهاد بالبعض للبعض فخطأ ، والرّوايتان التّاليتان تدفعانه . [ ثمّ ذكر الرّوايات وقال : ]