مجمع البحوث الاسلامية

470

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وفيه أيضا عن مسعدة بن صدقة قال : سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن النّاسخ والمنسوخ ، والمحكم والمتشابه ، قال : « النّاسخ : الثّابت المعمول به ، والمنسوخ : ما قد كان يعمل به ، ثمّ جاء ما نسخه ، والمتشابه : ما اشتبه على جاهله » . قال : وفي رواية : « النّاسخ : الثّابت ، والمنسوخ : ما مضى ، والمحكم : ما يعمل به ، والمتشابه : ما يشبه بعضه بعضا » . وفي « الكافي » عن الباقر عليه السّلام في حديث قال : « فالمنسوخات من المتشابهات » . وفي « العيون » عن الرّضا عليه السّلام : « من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم » ، ثمّ قال : « إنّ في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن ، فردّوا متشابهها إلى محكمها ، ولا تتّبعوا متشابهها فتضلّوا » . أقول : الأخبار كما ترى متقاربة في تفسير المتشابه ، وهي تؤيّد ما ذكرناه في البيان السّابق : أنّ التّشابه يقبل الارتفاع ، وأنّه إنّما يرتفع بتفسير المحكم له . وأمّا كون المنسوخات من المتشابهات فهو كذلك كما تقدّم ، ووجه تشابهها ما يظهر منها من استمرار الحكم وبقائه ، ويفسّره النّاسخ ببيان أنّ استمراره مقطوع . وأمّا ما ذكره عليه السّلام في خبر « العيون » : « أنّ في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن ، ومحكما كمحكم القرآن » ، فقد وردت في هذا المعنى عنهم عليهم السّلام روايات مستفيضة والاعتبار يساعده ، فإنّ الأخبار لا تشتمل إلّا على ما اشتمل عليه القرآن الشّريف ، ولا تبيّن إلّا ما تعرّض له . وقد عرفت فيما مرّ أنّ التّشابه من أوصاف المعنى الّذي يدلّ عليه اللّفظ ، وهو كونه بحيث يقبل الانطباق على المقصود وعلى غيره ، لا من أوصاف اللّفظ من حيث دلالته على المعنى ، نظير الغرابة والإجمال ، ولا من أوصاف الأعمّ من اللّفظ والمعنى . وبعبارة أخرى إنّما عرض التّشابه لما عرض عليه من الآيات ، لكون بياناتها جارية مجرى الأمثال بالنّسبة إلى المعارف الحقّة الإلهيّة ، وهذا المعنى بعينه موجود في الأخبار ، ففيها متشابه ومحكم كما في القرآن ، وقد ورد عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « إنّا معاشر الأنبياء نكلّم النّاس على قدر عقولهم » . وفي تفسير « العيّاشيّ » عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهما السّلام : أنّ رجلا قال لأمير المؤمنين عليه السّلام : هل تصف لنا ربّنا نزداد له حبّا ومعرفة ؟ فغضب وخطب النّاس فقال فيما قال : « عليك يا عبد اللّه بما دلّك عليه القرآن من صفته ، وتقدّمك فيه الرّسول من معرفته ، واستضيء من نور هدايته ، فإنّما هي نعمة وحكمة أوتيتها فخذ ما أوتيت ، وكن من الشّاكرين ، وما كلّفك الشّيطان عليه ممّا ليس عليك في الكتاب فرضه ، ولا في سنّة الرّسول وأئمّة الهدى أمره ، فكل علمه إلى اللّه ، ولا تقدّر عظمة اللّه . واعلم يا عبد اللّه ، أنّ الرّاسخين في العلم ، الّذين أغناهم اللّه عن الاقتحام في السّدد المضروبة دون الغيوب ، فلزموا الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فقالوا : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ، وقد مدح اللّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، وسمّي تركهم التّعمّق فيما لم يكلّفهم البحث عنه