مجمع البحوث الاسلامية

455

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

والمتشابه ، افتقروا إلى تعلّم طرق التّأويلات ، وترجيح بعضها على بعض ، وافتقر تعلّم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللّغة والنّحو وعلم أصول الفقه ، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة ، فكان إيراد هذه المتشابهات لأجل هذه الفوائد الكثيرة . الوجه الخامس - وهو السّبب الأقوى في هذا الباب - : أنّ القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواصّ والعوامّ بالكلّيّة ، وطبائع العوامّ تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق ، فمن سمع من العوامّ في أوّل الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيّز ولا مشار إليه ، ظنّ أنّ هذا عدم ونفي فوقع في التّعطيل ، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالّة على بعض ما يناسب ما يتوهّمونه ويتخيّلونه ، ويكون ذلك مخلوطا بما يدلّ على الحقّ الصّريح : فالقسم الأوّل - وهو الّذي يخاطبون به في أوّل الأمر - يكون من باب المتشابهات . والقسم الثّانى - وهو الّذي يكشف لهم في آخر الأمر - هو المحكمات . فهذا ما حضرنا في هذا الباب ، واللّه أعلم بمراده . ( 7 : 179 ) نحوه النيسابوريّ . ( 3 : 125 ) الرّازيّ : فإن قيل : كيف قال : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ و ( من ) للتّبعيض ، وقال في موضع آخر : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ هود : 1 ، وهذا يقتضى كون جميع آياته محكمة ؟ قلنا : المراد بقوله : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ ، أي ناسخات . وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ، أي منسوخات ، وقيل : المحكمات : العقليّات ، والمتشابهات : الشّرعيّات . وقيل : المحكمات : ما ظهر معناها ، والمتشابهات : ما كان في معناها غموض ودقّة . والمراد بقوله : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ أنّ جميع القرآن صحيح ثابت ، مصون عن الخلل والزّلل ، فلا تنافي . فإن قيل : كيف قال هنا : وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ جعل بعضه متشابها ، وقال في موضع آخر : كِتاباً مُتَشابِهاً وصفه كلّه بكونه متشابها . قلنا : المراد بقوله : وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ما سبق ذكره ، والمراد بقوله : كِتاباً مُتَشابِهاً الزّمر : 23 ، أنّه يشبه بعضه بعضا في الصّحّة وعدم التّناقض ، وتأييد بعضه بعضا ، فلا تنافي ؟ فإن قيل : ما فائدة إنزال المتشابهات بالمعنى الأخير ، والمقصود من إنزال القرآن إنّما هو البيان والهدى ، والغموض والدّقّة في المعاني ينافي هذا المقصود أو يبعده ؟ قلنا : لمّا كان كلام العرب ينقسم إلى ما يفهم معناه سريعا ، ولا يحتمل غير ظاهره ، وإلى ما هو مجاز وكناية وإشارة وتلويح - والمعاني فيه متعارضة متزاحمة . وهذا القسم هو المستحسن عندهم ، والمستبدع في كلامهم - نزل القرآن بالنّوعين تحقيقا لمعنى الإعجاز ، كأنّه قال : عارضوه بأيّ النّوعين شئتم فإنّه جامع لهما . وأنزله اللّه عزّ وجلّ محكما ومتشابها ليختبر من يؤمن بكلّه ، ويردّ علم ما تشابه منه إلى اللّه فيثيبه ، ومن يرتاب فيه ويشكّ وهو المنافق فيعاقبه ، كما ابتلى عباده بنهر طالوت وغيره .