مجمع البحوث الاسلامية
453
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
كالأمر بطاعة اللّه تعالى ، والاحتراز عن الظّلم والكذب والجهل ، وقتل النّفس بغير حقّ . ومنها ما يختلف بشرع وشرع كأعداد الصّلوات ، ومقادير الزّكوات ، وشرائط البيع والنّكاح ، وغير ذلك . فالقسم الأوّل هو المسمّى بالمحكم عند ابن عبّاس ، لأنّ الآيات الثّلاث في سورة الأنعام مشتملة على هذا القسم . وأمّا المتشابه فهو الّذي سمّيناه بالمجمل ، وهو ما يكون دلالة اللّفظ بالنّسبة إليه وإلى غيره على السّويّة ، فإنّ دلالة هذه الألفاظ على جميع الوجوه الّتي تفسّر هذه الألفاظ بها على السّويّة ، لا بدليل منفصل على ما لخّصناه في أوّل سورة البقرة . القول الثّاني : وهو أيضا مرويّ عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما : أنّ المحكم هو النّاسخ ، والمتشابه هو المنسوخ . والقول الثّالث : قال الأصمّ : المحكم : هو الّذي يكون دليله واضحا لائحا ، مثل ما أخبر اللّه تعالى به من إنشاء الخلق في قوله تعالى : ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً المؤمنون : 14 ، وقوله : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ الأنبياء : 30 ، وقوله : وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ البقرة : 22 . والمتشابه : ما يحتاج في معرفته إلى التّدبّر والتّأمّل ، نحو الحكم بأنّه تعالى يبعثهم بعد أن صاروا ترابا ، ولو تأمّلوا لصار المتشابه عندهم محكما ، لأنّ من قدر على الإنشاء أوّلا قدر على الإعادة ثانيا . واعلم أنّ كلام الأصمّ غير ملخّص ، فإنّه إن عنى بقوله : « المحكم ما يكون دلائله واضحة » أنّ المحكم : هو الّذي يكون دلالة لفظه على معناه متعيّنة راجحة ، والمتشابه : ما لا يكون كذلك ، وهو إمّا المجمل المتساوي ، أو المؤوّل المرجوح ، فهذا هو الّذي ذكرناه أوّلا . وإن عنى به أنّ المحكم هو الّذي يعرف صحّة معناه من غير دليل ، فيصير المحكم على قوله ما يعلم صحّته بضرورة العقل ، والمتشابه ما يعلم صحّته بدليل العقل . وعلى هذا يصير جملة القرآن متشابها ، لأنّ قوله : ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً أمر يحتاج في معرفة صحّته إلى الدّلائل العقليّة ، وإنّ أهل الطّبيعة يقولون : السّبب في ذلك الطّبائع والفصول ، أو تأثيرات الكواكب ، وتركيبات العناصر وامتزاجاتها ، فكما أنّ إثبات الحشر والنّشر مفتقر إلى الدّليل ، فكذلك إسناد هذه الحوادث إلى اللّه تعالى مفتقر إلى الدّليل . ولعلّ الأصمّ يقول : هذه الأشياء وإن كانت كلّها مفتقرة إلى الدّليل ، إلّا أنّها تنقسم إلى ما يكون الدّليل فيه ظاهرا ، بحيث تكون مقدّماته قليلة مرتّبة مبيّنة ، يؤمن الغلط معها إلّا نادرا ، ومنها ما يكون الدّليل فيه خفيّا كثير المقدّمات غير مرتّبة ، فالقسم الأوّل : هو المحكم ، والثّاني : هو المتشابه . القول الرّابع : أنّ كلّ ما أمكن تحصيل العلم به ، سواء كان ذلك بدليل جليّ ، أو بدليل خفيّ ، فذاك هو المحكم . وكلّ ما لا سبيل إلى معرفته فذاك هو المتشابه ، وذلك كالعلم بوقت قيام السّاعة ، والعلم بمقادير الثّواب والعقاب في حقّ المكلّفين ، ونظيره قوله تعالى :