مجمع البحوث الاسلامية
451
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
أن يكون نصّا ، أو ظاهرا ، أو مؤوّلا ، أو مشتركا ، أو مجملا . أمّا النّصّ والظّاهر فيشتركان في حصول التّرجيح ، إلّا أنّ النّصّ راجح مانع من الغير ، والظّاهر راجح غير مانع من الغير ، فهذا القدر المشترك هو المسمّى بالمحكم . وأمّا المجمل والمؤوّل فهما مشتركان في أنّ دلالة اللّفظ عليه غير راجحة ، وإن لم يكن راجحا لكنّه غير مرجوح . والمؤوّل مع أنّه غير راجح فهو مرجوح لا بحسب الدّليل المنفرد . فهذا القدر المشترك هو المسمّى بالمتشابه ، لأنّ عدم الفهم حاصل في القسمين جميعا . وقد بيّنّا أنّ ذلك يسمّى متشابها ، إمّا لأنّ الّذي لا يعلم يكون النّفي فيه مشابها للإثبات في الذّهن ، وإمّا لأجل أنّ الّذي يحصل فيه التّشابه يصير غير معلوم ، فأطلق لفظ المتشابه على ما لا يعلم إطلاقا لاسم السّبب على المسبّب . فهذا هو الكلام المحصّل في المحكم والمتشابه . ثمّ اعلم أنّ اللّفظ إذا كان بالنّسبة إلى المفهومين على السّويّة ، فهاهنا يتوقّف الذّهن ، مثل : القرء ، بالنّسبة إلى الحيض والطّهر ، إنّما المشكل بأن يكون اللّفظ بأصل وضعه راجحا في أحد المعنيين ، ومرجوحا في الآخر ، ثمّ كان الرّاجح باطلا ، والمرجوح حقّا ، ومثاله من القرآن قوله تعالى : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ الإسراء : 16 . فظاهر هذا الكلام أنّهم يؤمرون بأن يفسقوا ، ومحكمه قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ الأعراف : 28 ، رادّا على الكفّار فيما حكى عنهم وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها الأعراف : 28 ، وكذلك قوله تعالى : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ التّوبة : 67 . وظاهر النّسيان ما يكون ضدّا للعلم ، ومرجوحه التّرك . والآية المحكمة فيه قوله تعالى : وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا مريم : 64 ، وقوله تعالى : لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى طه : 52 . واعلم أنّ هذا موضع عظيم فنقول : إنّ كلّ واحد من أصحاب المذاهب يدّعي أنّ الآيات الموافقة لمذهبه محكمة ، وأنّ الآيات الموافقة لقول خصمه متشابهة ، فالمعتزليّ يقول : قوله : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ الكهف : 29 ، محكم ، وقوله : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ التّكوير : 29 ، متشابه . والسّنّي يقلّب الأمر في ذلك . فلا بدّ هاهنا من قانون يرجع إليه في هذا الباب ، فنقول : اللّفظ إذا كان محتملا لمعنيين وكان بالنّسبة إلى أحدهما راجحا ، وبالنّسبة إلى الآخر مرجوحا ، فإن حملناه على الرّاجح ولم نحمله على المرجوح ، فهذا هو المحكم . وأمّا إن حملناه على المرجوح ولم نحمله على الرّاجح ، فهذا هو المتشابه . فنقول : صرف اللّفظ عن الرّاجح إلى المرجوح لا بدّ فيه من دليل منفصل ، وذلك الدّليل المنفصل إمّا أن يكون لفظيّا وإمّا أن يكون عقليّا . أمّا القسم الأوّل : فنقول : هذا إنّما يتمّ إذا حصل بين ذينك الدّليلين اللّفظييّن تعارض ، وإذا وقع التّعارض بينهما فليس ترك ظاهر أحدهما رعاية لظاهر الآخر أولى من العكس ، اللّهم إلّا أن يقال : إنّ أحدهما قاطع في