مجمع البحوث الاسلامية
181
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
عبد الكريم الخطيب : أمر بأداء الحقّ المفروض على هذه النّعم الّتي يعيش فيها أهلها ، وحقّ هذه النّعم هو شكر اللّه عليها ؛ إذ هو المنعم بها ، ومن شكر اللّه عليها ، مشاركة الفقراء والمحتاجين لهم فيها ، وإعطاؤهم ما أوجب اللّه على الأغنياء للفقراء في أموالهم ، في قوله تعالى : وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ المعارج : 24 و 25 . وفي إضافة « الحقّ » إلى اللّه سبحانه وتعالى هكذا ( حقّه ) إشعار بأنّ هذا الحقّ هو للّه ، صاحب هذه النّعم ، وأنّه سبحانه قد جعل هذا الحقّ الّذي له ، لهؤلاء الفقراء من عباده . وإذن فليس لأحد من الأغنياء منّة على هؤلاء الفقراء ، ولا فضل له عليهم ؛ إذا هو أعطاهم ممّا للّه عنده ، فذلك من حقّ اللّه عليه ، واللّه سبحانه وتعالى يجزيه عمّا أعطى ، فضلا منه سبحانه وكرما ، لأنّه تعالى يأخذ ممّا له ، ويجزي الثّواب الجزيل عليه ، أضعافا مضاعفة ، فسبحانه سبحانه ، ما أعظم فضله ، وما أوسع رحمته ، وأكثر مننه على عباده ! ( 4 : 324 ) مكارم الشّيرازيّ : ما هو المراد من « الحقّ » الّذي يجب إعطاؤه ؟ يرى البعض أنّها هي الزّكاة الواجبة المفروضة ، أي عشر أو نصف عشر المحصول البالغ حدّ النّصاب الشّرعيّ . بيد أنّه مع الالتفات إلى أنّ هذه السّورة قد نزلت في مكّة ، وأنّ حكم الزّكاة نزل في السّنة الثّانية من الهجرة أو بعد ذلك في المدينة المنوّرة ، يبدو مثل هذا الاحتمال بعيدا . كيف وقد عرّف هذا « الحقّ » في روايات عديدة وصلتنا من أهل البيت عليهم السّلام ، وكذا في روايات عديدة وردت في مصادر أهل السّنّة ، بغير الزّكاة . وجاء فيها أنّ المراد منه هو ما يعطى من المحصول إلى الفقير عند حضوره عمليّة الحصاد أو القطاف ، وليس له حدّ معيّن ، ومقدار مقرّر ثابت . وفي هذه الحالة ، هل هذا الحكم وجوبيّ أم استحبابيّ ؟ يرى البعض أنّه حكم وجوبيّ ، أي أنّ إعطاء هذا الحقّ كان واجبا على المسلمين قبل تشريع حكم الزّكاة ولكنّه نسخ بعد نزول آية الزّكاة ، فحلّت الزّكاة بحدودها الخاصّة محلّ ذلك الحقّ . ولكن يستفاد من أحاديث أهل البيت عليهم السّلام أنّ هذا الحكم لم ينسخ ، بل هو باق في صورة الحكم الاستحبابيّ ، وهذا يعني أنّه يستحبّ الآن إعطاء شيء من المحاصيل الزّراعيّة إلى من يحضر عند حصادها وقطافها من الفقراء . يمكن أن يكون التّعبير بكلمة ( يوم ) إشارة إلى أنّه يحبّذ أن يوقع حصاد الزّرع ، وقطاف الثّمر في النّهار ، وأن يحضره الفقراء ويعطى إليهم شيء منها ، لا في اللّيل كما يفعل بعض البخلاء لكيلا يعرف أحد بهم ، فيضطرّوا إلى إعطائه شيئا من محاصيلهم . وقد أكّدت الرّوايات الواصلة إلينا من أهل البيت عليهم السّلام على هذا الأمر أيضا . ( 4 : 450 )