مجمع البحوث الاسلامية
179
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ثمّ إنّ إيجابه رجوع الضّمير إلى الأخير يبطل أصل دعواه ، وهو أنّ الآية تدلّ على وجوب الزّكاة في الأنواع الخمسة بالنّصّ لذكر الحقّ بعدها ، فما أضعف دلائل هذا الإمام الشّهير ، ولا سيّما في هذا التّفسير الملقّب بالكبير . ( 8 : 136 ) سيّد قطب : والأمر بإيتاء حقّه يوم حصاده هو الّذي جعل بعض الرّوايات تقول عن هذه الآية : إنّها مدنيّة . وقد قلنا في التّقديم للسّورة : إنّ الآية مكّيّة ، لأنّ السّياق في الجزء المكّيّ من السّورة لا يتصوّر تتابعه بدون هذه الآية ، فإنّ ما بعدها ينقطع عمّا قبلها لو كانت قد تأخّرت حتّى نزلت في المدينة ، وهذا الأمر بإيتاء حقّ الزّرع يوم حصاده ، لا يتحتّم أن يكون المقصود به الزّكاة . وهناك روايات في الآية أنّ المقصود هو الصّدقة غير المحدّدة . أمّا الزّكاة بأنصبتها المحدّدة ، فقد حدّدها السّنّة بعد ذلك في السّنة الثّانية من الهجرة . ( 3 : 1223 ) ابن عاشور : والأمر في وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ خطاب خاصّ بالمؤمنين كما تقدّم ، وهذا الأمر ظاهر في الوجوب بقرينة تسمية المأمور به حقّا . وأضيف « الحقّ » إلى ضمير المذكور لأدنى ملابسة ، أي الحقّ الكائن فيه . وقد أجمل الحقّ اعتمادا على ما يعرفونه ، وهو : حقّ الفقير ، والقربى ، والضّعفاء ، والجيرة . فقد كان العرب إذا جذّوا ثمارهم ، أعطوا منها من يحضر من المساكين والقرابة . وقد أشار إلى ذلك فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ القلم : 23 و 24 ، فلمّا جاء الإسلام أوجب على المسلمين هذا الحقّ وسمّاه حقّا ، كما في وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ المعارج : 24 و 25 ، وسمّاه اللّه زكاة في آيات كثيرة . ولكنّه أجمل مقداره وأجمل الأنواع الّتي فيها الحقّ ووكلهم في ذلك إلى حرصهم على الخير ، وكان هذا قبل شرع نصبها ومقاديرها ، ثمّ شرعت الزّكاة وبيّنت السّنّة نصبها ومقاديرها . [ ثمّ ذكر معنى الحصاد وقراءته وقال : ] وقد فرضت الزّكاة في ابتداء الإسلام مع فرض الصّلاة ، أو بعده بقليل ، لأنّ افتراضها ضروريّ لإقامة أود الفقراء من المسلمين وهم كثيرون في صدر الإسلام ، لأنّ الّذين أسلموا قد نبذهم أهلوهم ومواليهم ، وجحدوا حقوقهم ، واستباحوا أموالهم ، فكان من الضّروريّ أن يسدّ أهل الجدّة والقوّة من المسلمين خلّتهم . وقد جاء ذكر الزّكاة في آيات كثيرة ممّا نزل بمكّة ، مثل سورة المزّمّل وسورة البيّنة ، وهي من أوائل سور القرآن ، فالزّكاة قرينة الصّلاة . وقول بعض المفسّرين : الزّكاة فرضت بالمدينة ، يحمل على ضبط مقاديرها بآية : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ التّوبة : 103 ، وهي مدنيّة ، ثمّ تطرّقوا فمنعوا أن يكون المراد ب « الحقّ » هنا الزّكاة ، لأنّ هذه السّورة مكّيّة بالاتّفاق ، وإنّما تلك الآية مؤكّدة للوجوب بعد الحلول بالمدينة ، ولأنّ المراد منها أخذها من المنافقين أيضا ، وإنّما ضبطت الزّكاة ببيان الأنواع