مجمع البحوث الاسلامية

820

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وقاية من وهج الشّمس في الصّيف والزّمهرير في الشّتاء . وهو وجه حسن ، غير أنّ الحفّ يصدق على الجوانب دون الوسط ، فلا يستقيم هذا القول إلّا بجعل النّخيل في الوسط أيضا ، لكي تغطّي الأعناب ، ولكنّ السّياق لا يتضمّن هذا المعنى . 3 - توسّطت جملة وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ جملتي جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ و وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً ، فهلّا أبدل الحفّ بالجعل كما في الجملة السّابقة واللّاحقة ، وهو ظاهر كلام الزّمخشريّ وابن عطيّة والفخر الرّازيّ ، فيكون التّقدير : وجعلنا حولهما نخلا ؟ نقول : الجعل في كلا الموضعين من الآية بمعنى الإنشاء ، وهو عامّ والحفّ خاصّ متفرّع منه ، ونظيره قوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا طه : 53 . ولو عمّم الكلام وكرّر العامل ( الجعل ) لكان إمّا للتّنويع ، نحو : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ النّحل : 81 ، أو للتّقسيم : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً الفرقان : 47 ، أو للتّفصيل : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً الإسراء : 12 ، أو للتّخصيص دون التّفريع : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا الأنعام : 9 ، أو للزّيادة : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ القصص : 5 ، وغير ذلك . ثانيا : لفظ ( حافّين ) في ( 2 ) جمع « حافّ » ، أو هو جمع لا مفرد له ، وفيه بحوث : 1 - قال أغلب المفسّرين : ( حافّين ) : محدقين ، وقال أبو عبيدة : « أطافوا به بحفافيه » ، يريد مثنّى الحفاف ، وهو طرف الشّيء وجانبه . وقال القرطبيّ : « أخذ من حافّات الشّيء ونواحيه » ، جمع حافّة من « ح وف » ، أي النّاحية والجانب ، وهو ليس منه ، إلّا أن يريد به الاشتقاق الأكبر . 2 - قال الفرّاء : « لا واحد له ؛ إذ لا يقع لهم الاسم إلّا مجتمعين » ، وقال السّمين : « جمع حافّ ، وهو المحدق بالشّيء ، من : حففت بالشّيء ، إذا أحطت به » . 3 - في « من » قولان : أحدهما : هي زائدة كما ذهب إليه الأخفش ، والتّقدير : حافّين حول العرش ، كقولهم : ما جاءني من أحد ، أي ما جاءني أحد ، فجيء بها للتّأكيد . والثّاني : هي للابتداء ، والضّمير في ( بينهم ) يعود إلى الفريقين المذكورين قبلها ، في الآيتين رقم 71 و 73 : وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً . . . ، وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً . . . ، و ( يسبّحون ) حال من الضّمير في ( حافّين ) .