مجمع البحوث الاسلامية

783

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ثمّ لمّا كانت حقوق الآدميّين منها ما يتعلّق بالحياة وقد ذكره ، ومنها ما يتعلّق بالممات ، ذكره بعده في قوله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً البقرة : 240 ، الآية . والخطاب ب ( حافظوا ) لجميع المؤمنين وهل يعمّ الكافرين ؟ فيه خلاف . و ( حافظوا ) من باب طارقت النّعل ، ولمّا ضمّن معنى التّكرار والمواظبة عدّي ب ( على ) . وقد رام بعضهم أن يبقى « فاعل » على معناها الأكثر فيها من الاشتراك بين اثنين ، فجعل المحافظة بين العبد وبين الرّبّ ، كأنّه قيل : احفظ هذه الصّلاة يحفظك اللّه الّذي أمر بها ، ومعنى المحافظة هنا : دوام ذكرها ، أو الدّوام على تعجيلها في أوّل أوقاتها ، أو إكمال فروضها وسننها ، أو جميع ما تقدّم ، أقوال أربعة . ( 2 : 239 ) الآلوسيّ : أي داوموا على أدائها لأوقاتها من غير إخلال ، كما ينبئ عنه صيغة « المفاعلة » المفيدة للمبالغة . ولعلّ الأمر بها عقيب الحضّ على العفو ، والنّهي عن ترك الفضل ، لأنّها تهيّئ النّفس لفواضل الملكات ، لكونها النّاهية عن الفحشاء والمنكر ، أو ليجمع بين التّعظيم لأمر اللّه تعالى ، والشّفقة على خلقه . وقيل : أمر بها في خلال بيان ما تعلّق بالأزواج والأولاد من الأحكام الشّرعيّة المتشابكة ، إيذانا بأنّها حقيقة بكمال الاعتناء بشأنها ، والمثابرة عليها من غير اشتغال عنها بشأن أولئك ، فكأنّه قيل : لا يشغلنّكم التّعلّق بالنّساء وأحوالهنّ ، وتوجّهوا إلى مولاكم بالمحافظة على ما هو عماد الدّين ، ومعراج المؤمنين . ( 2 : 155 ) رشيد رضا : قال بعض المفسّرين في وجه اختيار لفظ المحافظة على الحفظ : إنّ الصّيغة على أصلها تفيد المشاركة في الحفظ ، وهي هنا بين العبد وربّه ، كأنّه قيل : احفظ الصّلاة يحفظك اللّه الّذي أمرك بها ، كقوله : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ البقرة : 152 ، أو بين المصلّي والصّلاة نفسها ، أي احفظوها تحفظكم من الفحشاء والمنكر بتنزيه نفوسكم عنهما ، ومن البلاء والمحن بتقوية نفوسكم عليهما ، كما قال : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ . وقال الأستاذ الإمام : قال : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ ولم يقل : احفظوها ، لأنّ « المفاعلة » تدلّ على المنازعة والمقاومة ، ولا يظهر قول بعضهم : إنّ « المفاعلة » للمشاركة ، لأنّ الصّلاة تحفظه كما يحفظها ، إلّا لو كانت العبارة : حافظوا الصّلوات ، ولكنّه قال : عَلَى الصَّلَواتِ ، أي اجتهدوا في حفظها والمداومة عليها انتهى . ولا يريد الأستاذ بهذا أنّ الصّلاة لا تحفظ ممّا ذكر ، وإنّما يريد أنّ لفظ ( حافظوا ) لا يدلّ على هذا المعنى الثّابت في نفسه . والّذي أفهمه في « المفاعلة » على الشّيء هو فعله المرّة بعد المرّة ، ومنه حافظ عليه وواظب عليه وداوم عليه ، إلّا إذا كانت ( على ) للتّعليل ، كقاتله على الأمر ، أي لأجله ، فالمقاتلة فيه للمشاركة ، ولا يصحّ هنا . وحفظ الصّلاة المرّة بعد المرّة على الاستمرار عبارة عن الإتيان بها كلّ مرّة كاملة الشّرائط والأركان العمليّة ، كاملة الآداب والمعاني القلبيّة ، فالشّيء الّذي يتعاهد بالحفظ دائما هو الّذي لا يلحقه النّقص ، وإلّا لم يكن محفوظا دائما . ( 2 : 436 )