مجمع البحوث الاسلامية

763

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فإن قلت : كيف جاز أن يتولّى عملا من يد كافر ويكون تبعا له وتحت أمره وطاعته ؟ قلت : روى مجاهد أنّه كان قد أسلم . وعن قتادة : هو دليل على أنّه يجوز أن يتولّى الإنسان عملا من يد سلطان جائر ، وقد كان السّلف يتولّون القضاء من جهة البغاة ويرونه ، وإذا علم النّبيّ أو العالم أنّه لا سبيل إلى الحكم بأمر اللّه ودفع الظّلم إلّا بتمكين الكافر أو الفاسق ، فله أن يستظهر به . وقيل : كان الملك يصدر عن رأيه ولا يعترض عليه في كلّ ما رأى ، فكان في حكم التّابع له والمطيع . ( 2 : 328 ) مثله النّسفيّ . ( 2 : 227 ) ابن عطيّة : صفتان تعمّ وجوه التّثقيف والحيطة ، لا خلل معهما لعامل . وقد خصّص النّاس بهاتين الصّفتين أشياء ، مثل قولهم : حفيظ بالحساب عليم بالألسن ، وقول بعضهم : حفيظ لما استودعتني عليم بسنيّ الجوع . وهذا كلّه تخصيص لا وجه له ، وإنّما أراد باتّصافه أن يعرف الملك بالوجه الّذي به يستحقّ الكون على خزائن الأرض ، فاتّصف بأنّه يحفظ المجبي من كلّ جهة تحتاج إلى الحفظ ، ويعلم التّناول أجمع . ( 3 : 256 ) نحوه أبو حيّان . ( 5 : 319 ) الفخر الرّازيّ : فيه مسائل : المسألة الأولى : [ ذكر فيها تفسير يوسف لرؤيا الملك . . . ] المسألة الثّانية : لقائل أن يقول : لم طلب يوسف الإمارة والنّبيّ عليه الصّلاة والسّلام قال لعبد الرّحمان بن سمرة : « لا تسأل الإمارة » ؟ وأيضا فكيف طلب الإمارة من سلطان كافر ؟ وأيضا لم لم يصبر مدّة ولم أظهر الرّغبة في طلب الإمارة في الحال ؟ وأيضا لم طلب أمر الخزائن في أوّل الأمر ، مع أنّ هذا يورث نوع تهمة ؟ وأيضا كيف جوّز من نفسه مدح نفسه بقوله : إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ مع أنّه تعالى يقول : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ؟ النّجم : 32 . وأيضا فما الفائدة في قوله : إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ؟ وأيضا لم ترك الاستثناء في هذا ، فإنّ الأحسن أن يقول : إنّي حفيظ عليم إن شاء اللّه ، بدليل قوله تعالى : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ؟ الكهف : 23 ، 24 ، فهذه أسئلة سبعة لا بدّ من جوابها . فنقول : الأصل في جواب هذه المسائل أنّ التّصرّف في أمور الخلق كان واجبا عليه ، فجاز له أن يتوصّل إليه بأيّ طريق كان ، إنّما قلنا : إنّ ذلك التّصرّف كان واجبا عليه لوجوه : الأوّل : أنّه كان رسولا حقّا من اللّه تعالى إلى الخلق ، والرّسول يجب عليه رعاية مصالح الأمّة بقدر الإمكان . والثّاني : وهو أنّه عليه السّلام علم بالوحي أنّه سيحصل القحط والضّيق الشّديد الّذي ربّما أفضى إلى هلاك الخلق العظيم ، فلعلّه تعالى أمره بأن يدبّر في ذلك ويأتي بطريق لأجله يقلّ ضرر ذلك القحط في حقّ الخلق . والثّالث : أنّ السّعي في إيصال النّفع إلى المستحقّين ودفع الضّرر عنهم ، أمر مستحسن في العقول . وإذا ثبت هذا ، فنقول : إنّه عليه السّلام كان مكلّفا برعاية مصالح الخلق من هذه الوجوه ، وما كان يمكنه رعايتها إلّا بهذا الطّريق ، وما لا يتمّ الواجب إلّا به ، فهو واجب ، فكان