مجمع البحوث الاسلامية

758

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وتقرير ربّانيّ بأنّ اللّه تعالى يصرف الآيات القرآنيّة ويقلب فيها وجوه الكلام ، تبيانا للنّاس الّذين يحبّون أن يعلموا ويتبيّنوا الأمور حتّى يقولوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : قد قرأت وكرّرت وبلّغت وبيّنت كلّ شيء ، وعلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ذلك أن يتّبع ما يوحى إليه من ربّه الّذي لا إله إلّا هو ، وأن يلتزم الحدود المرسومة له ، وألّا يبالي بالمشركين إذا أصرّوا على شركهم ، فلو شاء اللّه ما أشركوا ، لأنّ في قدرته إجبارهم على الهدى ، وإنّما تركهم لاختيارهم ليظهر الطّيّب من الخبيث ، وسليم القلب الرّاغب في الهدى من سيّئ النّيّة المتعمّد المكابرة والتّكذيب . ولم يجعله اللّه مسيطرا عليهم ولا مسؤولا عنهم . ( 4 : 199 ) الطّباطبائيّ : إنّ المراد بالحفظ عليهم : رجوع أمر نفوسهم وتدبير قلوبهم إليه ، فهو إنّما ينفي كونه حفيظا عليهم تكوينا ، وإنّما هو ناصح لهم . والآية كالمعترضة بين الآيات السّابقة والآية اللّاحقة ، وهو خطاب منه تعالى عن لسان نبيّه كالرّسول يأتي بالرّسالة إلى قوم فيؤدّيها إليهم ، وفي خلال ما يؤدّيه يكلّمهم من نفسه بما يهيّجهم للسّمع والطّاعة ، ويحثّهم على الانقياد بإظهار النّصح ، ونفي الأغراض الفاسدة عن نفسه . ( 7 : 303 ) عبد الكريم الخطيب : أي ليس على النّبيّ إلّا أن يعرض هذه البصائر الّتي تلقّاها من ربّه ، ثمّ إنّه ليس عليه بعد هذا أن يتولّى حراسة النّاس وحمايتهم من أهوائهم الغالبة ، ونزعاتهم المستبدّة ، فهذا نور اللّه بين أيديهم ، وفي مواجهة أبصارهم ، فمن أبصر فلنفسه ، ومن عمي فعليها ، واللّه سبحانه وتعالى يقول : أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ يونس : 43 . ( 4 : 255 ) مكارم الشّيرازيّ : للمفسّرين احتمالان : الأوّل : إنّي لست أنا المسؤول عن مراقبتكم والمحافظة عليكم وملاحظة أعمالكم ، فاللّه هو الّذي يحافظ على الجميع ، وهو الّذي يعاقب ويثيب الجميع ، إنّ واجبي لا يتعدّى إبلاغ الرّسالة وبذل الجهد لهداية النّاس . والاحتمال الآخر : أنا لست مأمورا موكّلا بكم لأحملكم بالجبر والإكراه على قبول الإيمان ، إنّما واجبي هو أن أدعوكم إلى ذلك بتبيان الحقائق بالمنطق والحجّة ، وأنتم الّذين تتّخذون قراركم النّهائيّ . وليس ما يمنع من انطواء العبارة على كلا المعنيين . ( 4 : 388 ) فضل اللّه : وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ وتلك هي مهمّة النّبيّ ، فهو لم يأت ليفتح قلوب النّاس على الهدى ، بالقوّة والمعجزة ، بل جاء ليقدّم لهم الدّلائل والبيّنات الّتي تفتح عقولهم على الحقّ ، بالفكر والتّأمّل والإرادة الواعية المتحرّكة في خطّ الإيمان ، وتلك هي مهمّة الدّعاة إلى اللّه في كلّ زمان ومكان ، الكلمة الهادية ، والأسلوب المشرق ، والجوّ الهادئ الّذي يوحي بالفكر والموضوعيّة ، ويقود إلى الإيمان من أقرب طريق . وربّما أريد من هذه الفقرة ، أنّ النّبيّ ليس مسؤولا عن مراقبتهم والمحافظة عليهم ، ولا الإشراف على أعمالهم ومحاسبتهم وثوابهم وعقابهم ، فإنّ اللّه هو الّذي يتولّى ذلك كلّه ، وليست مهمّة النّبيّ إلّا إبلاغ الرّسالة بكلّ الوسائل الّتي يملكها ، ممّا يبذله من جهد الدّعوة والإقناع . وهذه هي مهمّة الدّاعية في حركة الدّعوة إلى اللّه بتلاوة آيات اللّه وإبلاغ رسالته ، وتبقى المهمّة - في الدّنيا - في