مجمع البحوث الاسلامية
726
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وحان أجله . وقالت فرقة - وهي الأكثر - : الضّمير في ( له ) عائد على القرآن ، قاله مجاهد وقتادة . والمعنى : لَحافِظُونَ من أن يبدّل أو يغيّر ، كما جرى في سائر الكتب المنزلة . وفي آخر ورقة من البخاريّ عن ابن عبّاس : أنّ التّبديل فيها إنّما كان في التّأويل ، وأمّا في اللّفظ فلا . وظاهر آيات القرآن أنّهم بدّلوا اللّفظ ، ووضع اليد في آية الرّجم هو في معنى تبديل الألفاظ . وقيل : لَحافِظُونَ باختزانه في صدور الرّجال ؛ والمعنى متقارب . وقال قتادة : هذه الآية نحو قوله تعالى : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ فصّلت : 42 . ( 3 : 351 ) الفخر الرّازيّ : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : أنّ القوم إنّما قالوا : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ الحجر : 6 ، لأجل أنّهم سمعوا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول : « إنّ اللّه تعالى نزّل الذّكر عليّ » ثمّ إنّه تعالى حقّق قوله في هذه الآية فقال : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ . فأمّا قوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ فهذه الصّيغة وإن كانت للجمع إلّا أنّ هذا من كلام الملوك عند إظهار التّعظيم ، فإنّ الواحد منهم إذا فعل فعلا أو قال قولا ، قال : إنّا فعلنا كذا ، وقلنا كذا فكذا هاهنا . المسألة الثّانية : الضّمير في قوله : لَهُ لَحافِظُونَ إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : القول الأوّل : إنّه عائد إلى ( الذّكر ) يعني : وإنّا نحفظ ذلك الذّكر من التّحريف والزّيادة والنّقصان ، ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ فصّلت : 42 وقال : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً النّساء : 82 . فإن قيل : فلم اشتغلت الصّحابة بجمع القرآن في المصحف ، وقد وعد اللّه تعالى بحفظه ، وما حفظه اللّه فلا خوف عليه ؟ والجواب : أنّ جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ اللّه تعالى إيّاه ، فإنّه تعالى لمّا أن حفظه قيّضهم لذلك . قال أصحابنا : وفي هذه الآية دلالة قويّة على كون التّسمية آية من أوّل كلّ سورة ، لأنّ اللّه تعالى قد وعد بحفظ القرآن ، والحفظ لا معنى له إلّا أن يبقى مصونا من الزّيادة والنّقصان ، فلو لم تكن التّسمية من القرآن لما كان القرآن مصونا عن التّغيير ، ولما كان محفوظا عن الزّيادة . ولو جاز أن يظنّ بالصّحابة أنّهم زادوا ، لجاز أيضا أن يظنّ بهم النّقصان ؛ وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجّة . والقول الثّاني : أنّ الكناية في قوله : ( له ) راجعة إلى محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمعنى وإنّا لمحمّد لحافظون . وهو قول الفرّاء ، وقوّى ابن الأنباريّ هذا القول ، فقال : لمّا ذكر اللّه الإنزال والمنزل دلّ ذلك على المنزل عليه ، فحسنت الكناية عنه ، لكونه أمرا معلوما ، كما في قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فإنّ هذه الكناية عائدة إلى القرآن مع أنّه لم يتقدّم ذكره ، وإنّما حسنت الكناية للسّبب المعلوم ، فكذا هاهنا . إلّا أنّ القول الأوّل أرجح القولين وأحسنهما ، مشابهة لظاهر التّنزيل ، واللّه أعلم .