مجمع البحوث الاسلامية

709

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

لجهله باللّه تعالى . ويجوز أن يكون من باب الاستعارة التّهكّميّة على حدّ ما اشتهر في قوله تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ آل عمران : 21 ، فهو مستعار لضدّه وحقيقته لا يحفظونه . وعلى ذلك يخرج قول بعضهم : إنّ المراد : لا يحفظونه ، لا على أنّ هناك نفيا مقدّرا كما يتوهّم ، والأكثرون على أنّ المراد ب « المعقّبات » : الملائكة . وفي الصّحيح : « يتعاقب فيكم ملائكة باللّيل وملائكة بالنّهار ، ويجتمعون في صلاة الصّبح وصلاة العصر » . وذكروا أنّ مع العبد غير الملائكة الكرام الكاتبين ملائكة حفظة . [ إلى أن قال : ] والأخبار في هذا الباب كثيرة ، واستشكل أمر الحفظ بأنّ المقدّر لا بدّ من أن يكون ، وغير المقدّر لا يكون أبدا ، فالحفظ من أيّ شيء ؟ وأجيب بأنّ من القضاء والقدر ما هو معلّق ، فيكون الحفظ منه ، ولهذا حسن تعاطي الأسباب ، وإلّا فمثل ذلك وارد فيها بأن يقال : إنّ الأمر الّذي نريد أن نتعاطاه إمّا أن يكون مقدّرا وجوده فلا بدّ أن يكون ، أو مقدّرا عدمه فلا بدّ أن لا يكون ، فما الفائدة في تعاطيه والتّشبّث بأسبابه ؟ وتعقّب هذا بأنّ ما ذكر إنّما حسن منّا لجهلنا بأنّ ما نطلبه من المعلّق أو من غيره ، والمسألة المستشكلة ليست كذلك . وأنت تعلم أنّ اللّه تعالى جعل في المحسوسات أسبابا محسوسة ، وربط بها مسبّباتها حسبما تقضيه حكمته الباهرة ، ولو شاء لأوجد المسبّبات من غير أسباب لغناه جلّ شأنه الذّاتيّ ، ولا مانع من أن يجعل في الأمور غير المحسوسة أسبابا يربط بها المسبّبات كذلك . وحينئذ يقال : إنّه جلّت عظمته جعل أولئك الحفظة أسبابا للحفظ ، كما جعل في المحسوس نحو الجفن للعين سببا لحفظها ، مع أنّه ليس سببا إلّا للحفظ ممّا لم يبرم من قضائه وقدره جلّ جلاله ، والوقوف على الحكم بأعيانها ممّا لم نكلّف به ، والعلم بأنّ أفعاله تعالى لا تخلو عن الحكم والمصالح على الإجمال ممّا يكفي المؤمن . ويقال نحو هذا في أمر الكرام الكاتبين فهم موجودون بالنّصّ ؛ وقد جعلهم اللّه تعالى حفظة لأعمال العبد كاتبين لها ، ونحن نؤمن بذلك وإن لم نعلم ما قلمهم وما مدادهم وما قرطاسهم ، وكيف كتابتهم ، وأين محلّهم ، وما حكمة ذلك ؟ مع أنّ علمه تعالى كاف في الثّواب والعقاب عليها ، وكذا تذكّر الإنسان لها وعلمه بها يوم القيامة كاف في دفع ما عسى أن يختلج في صدره عند معاينة ما يترتّب عليها . ومن النّاس من خاض في بيان الحكمة وهو أسهل من بيان ما معها . ( 13 : 112 ) عبد الكريم الخطيب : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أمر اللّه هنا ، معناه تقديره ، وحكمه ، كما يقول سبحانه : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ الأعراف : 54 . والمعنى : أنّهم يحفظونه بما أمروا به من تقدير اللّه ، وحكمه ، وقضائه في عباده . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ النّحل : 2 ، وقوله سبحانه : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا الشّورى : 52 . ( 7 : 80 ) مغنيّة : ضمير ( له ) و ( يديه ) و ( خلفه ) يعود إلى الإنسان ، كما هو الظّاهر من سياق الكلام . و ( معقّبات ) كناية عن حواسّ الإنسان وغرائزه الّتي لها تأثيرها في صيانته وحفظ كيانه ، و ( من ) في قوله تعالى : مِنْ أَمْرِ