مجمع البحوث الاسلامية
664
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
والخدمة ، وهو منزّل منزلة تغاير الذّات ، وقد مرّ نظيره ، فيكون ذلك امتنانا بإعطاء الجامع لهذين الوصفين الجليلين ، فكأنّه قيل : وجعل لكم منهنّ أولادا هم بنون وهم حافدون ، أي جامعون بين هذين الأمرين . ويقرب منه ما روي عن ابن عبّاس : من أنّ البنين صغار الأولاد والحفدة كبارهم ، وكذا ما نقل عن مقاتل من العكس . وكأنّ ابن عبّاس نظر إلى أنّ الكبار أقوى على الخدمة ، ومقاتل نظر إلى أنّ الصّغار أقرب للانقياد لها وامتثال الأمر بها ، واعتبر الحفد بمعنى مقاربة الخطّ « 1 » . وقيل : أولاد المرأة من الزّوج الأوّل ، وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس . وأخرج الطّبرانيّ والبيهقيّ في سننه ، والبخاريّ في تاريخه ، والحاكم - وصحّحه - عن ابن مسعود : أنّهم الأختان . وأريد بهم على ما قيل : أزواج البنات ، ويقال لهم : أصهار . [ ثمّ استشهد بشعر ] والنّصب على هذا بفعل مقدّر ، أي وجعل لكم حفدة ، لا بالعطف على ( بنين ) لأنّ القيد إذا تقدّم يعلّق بالمتعاطفين ، وأزواج البنات ليسوا من الأزواج . وضعّف بأنّه لا قرينة على تقدير خلاف الظّاهر ، وفيه دغدغة لا تخفى . وقيل : لا مانع من العطف ، بأن يراد بالأختان : أقارب المرأة كأبيها وأخيها لا أزواج البنات ، فإنّ إطلاق الأختان عليه إنّما هو عند العامّة ، وأمّا عند العرب فلا ، كما في « الصّحاح » وتجعل ( من ) سببيّة . ولا شكّ أنّ الأزواج سبب لجعل الحفدة بهذا المعنى ، وهو كما ترى . وتعقّب تفسيره بالأختان والرّبائب بأنّ السّياق للامتنان ولا يمتنّ بذلك . وأجيب بأنّ الامتنان باعتبار الخدمة ، ولا يخفى أنّه مصحّح لا مرجّح . وقيل : الحفدة هم الخدم والأعوان ، وهو المعنى المشهور له لغة ، والنّصب أيضا بمقدّر ، أي وجعل لكم خدما يحفدون في مصالحكم ويعينونكم في أموركم . وقال ابن عطيّة بعد نقل عدّة أقوال في المراد من ذلك : وهذه الأقوال مبنيّة على أنّ كلّ أحد جعل له من زوجته بنون وحفدة ، ولا يخفى أنّه باعتبار الغالب ، ويحتمل أن يحمل قوله تعالى : مِنْ أَزْواجِكُمْ على العموم والاشتراك ، أي جعل من أزواج البشر البنين والحفدة ، ويستقيم على هذا إجراء الحفدة على مجراها في اللّغة ؛ إذ البشر بجملتهم لا يستغني أحدهم عن حفدة ، انتهى . وحينئذ لا يحتاج إلى تقدير ، لكن لا يخفى أنّ فيه بعدا ، وتأخير المنصوب في الموضعين عن المجرور - لما مرّ غير مرّة - من التّشويق ، وتقديم المجرور ب « اللّام » على المجرور ب « من » للإيذان من أوّل الأمر ، بعود منفعة الجعل إليهم إمدادا للتّشويق ، وتقوية له . ( 14 : 190 ) عبد الكريم الخطيب : والحفدة ، وهم أبناء الأبناء ، أو هم الكبار من الأبناء الّذين يكونون عضدا لآبائهم ، يسعون معهم ، ويحملون عبء الحياة عنهم . . . فالحفد : السّعي في سرعة ، ومنه ما ورد في القنوت : « وإليك نسعى ونحفد » . ( 7 : 329 ) الطّباطبائيّ : [ نقل قول الرّاغب وغيره ثمّ قال : ] والمراد بالحفدة في الآية : الأعوان الخدم من البنين ،
--> ( 1 ) كذا ، والظّاهر : الخطو كما جاء فيما قبله .