مجمع البحوث الاسلامية
508
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وقراءة في قيام اللّيل ، بالأشياء المعدودة . وبهذا فسّر الحسن وسفيان ، ومنه قوله في الحديث : « استقيموا ولن تحصوا » أي ولن تطيقوا ، تمام الاستقامة ، أي فخذوا منها بقدر الطّاقة . و ( ان ) مخفّفة من الثّقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف وخبره الجملة ، وقد وقع الفصل بين ( ان ) وخبرها بحرف النّفي ، لكون الخبر فعلا غير دعاء ولا جامد حسب المتّبع في الاستعمال الفصيح . و ( ان ) وجملتها سادّة مسدّ مفعولي ( علم ) إذ تقديره علم عدم إحصائكموه واقعا . ( 29 : 263 ) الطّباطبائيّ : الإحصاء : تحصيل مقدار الشّيء وعدده والإحاطة به ، وضمير لَنْ تُحْصُوهُ للتّقدير ، أو للقيام مقدار ثلث اللّيل أو نصفه أو أدنى من ثلثيه ، وإحصاء ذلك مع اختلاف اللّيالي طولا وقصرا في أيّام السّنة ممّا لا يتيسّر لعامّة المكلّفين ، ويشتدّ عسرا لمن نام أوّل اللّيل وأراد القيام بأحد المقادير الثّلاثة ، دون أنّ يحتاط بقيام جميع اللّيل أو ما في حكمه . فالمراد بقوله : عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ علمه تعالى بعدم تيسّر إحصاء المقدار الّذي أمروا بقيامه من اللّيل ، لعامّة المكلّفين . ( 20 : 75 ) عبد الكريم الخطيب : أي علم اللّه سبحانه وتعالى أنّكم لن تحصوا أوصاف الثّناء عليه سبحانه وتعالى ، مهما طال قيامكم باللّيل . وهذا ما يشير إليه الرّسول الكريم في قوله ، مناجيا ربّه : « سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » . وهذا الّذي ذهبنا إليه ، هو المعنى الّذي نستريح له ، ولم نجد أحدا من المفسّرين قد ذهب إلى هذا الرّأي ، وإنّما كانت آراؤهم كلّها تدور حول معنى واحد ، هو أنّ اللّه سبحانه علم أنّكم لن تقدروا على إحصاء اللّيل وتحديد مواقيته ، ومعرفة متى يكون ثلث اللّيل أو نصفه ، أو ثلثاه ؟ أمّا النّهار فإنّه من الممكن ضبط أجزائه ، ولهذا عاد الضّمير في ( تحصوه ) على اللّيل وحده ، دون أن يعود عليه هو والنّهار . هكذا يقولون . وهذا المعنى الّذي يذهب إلى معنى العجز عن إحصاء أجزاء اللّيل ، وإن كان له مفهوم وقت نزول القرآن ؛ حيث لم تكن هناك المقاييس الزّمنيّة المعروفة اليوم ، كالسّاعة ونحوها ، فإنّ هذا المفهوم الآن غير واقع ، والقرآن الكريم حكم قاض بالحقّ المطلق وشاهد ناطق بالصّدق المصفّى ، أبد الدّهر لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فصّلت : 42 . ثم إنّ إحصاء اللّيل ، وتقدير وقته ، من الممكن أن يتحقّق حتّى في زمن نزول هذه الآية ، وذلك برصد النّجوم ، وتحديد منازلها ، وقد كان العرب على علم بهذا وأنّ نظرة من أحدهم إلى مواقع النّجوم في السّماء كان يعرف بها أين هو من اللّيل ؟ وما ذا ذهب منه ؟ وما ذا بقي ؟ ومن إعجاز القرآن الكريم أنّه يتّسع لمفاهيم الحياة كلّها في كلّ زمان ومكان ، وعلى هذا يمكن أن يتوارد على قوله تعالى : عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ أكثر من مفهوم ، وكلّ مفهوم ، منها يسدّ حاجة النّاس في عصرهم ، وما بلغته مداركهم من العلم . وعلى هذا يكون قوله تعالى : وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خبرا عن اللّه سبحانه وتعالى ، ويكون قوله