مجمع البحوث الاسلامية

435

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

مطلّقات الإحصار ، وليس في الآية تقييد ، وبهذا قال قتادة والحسن وعطاء والنّخعيّ ومجاهد وأبو حنيفة [ ثمّ نقل أقوال المفسّرين فيمن خالف هذا الرّأي ، فلاحظ ] ( 2 : 72 ) ابن كثير : ذكروا أنّ هذه الآية نزلت في سنة ستّ ، أي عام الحديبيّة ، حين حال المشركون بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين الوصول إلى البيت ، وأنزل اللّه في ذلك سورة الفتح بكمالها ، وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي وكان سبعين بدنة ، وأن يحلقوا رؤوسهم ، وأن يتحلّلوا من إحرامهم . فعند ذلك أمرهم عليه السّلام بأن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحلّلوا ، فلم يفعلوا انتظارا للنّسخ ، حتّى خرج فحلق رأسه ففعل النّاس . وكان منهم من قصّر رأسه ولم يحلقه ، فلذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « رحم اللّه المحلّقين » . قالوا : والمقصّرين يا رسول اللّه ، فقال : في الثّالثة : « والمقصّرين » . وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك كلّ سبعة في بدنة ، وكانوا ألفا وأربعمئة ، وكان منزلهم بالحديبيّة خارج الحرم . وقيل : بل كانوا على طرف الحرم - فاللّه أعلم - ولهذا اختلف العلماء هل يختصّ الحصر بالعدوّ فلا يتحلّل إلّا من حصره عدوّ لا مرض ولا غيره ؟ على قولين : [ الأوّل : قول ابن عبّاس وابن عمر وطاوس والزّهريّ وزيد بن أسلم : « لا حصر إلّا حصر العدوّ » وقد تقدّم ] والقول الثّاني : أنّ الحصر أعمّ من أن يكون بعدوّ أو مرض أو ضلال ، وهو التّوهان عن الطّريق ، أو نحو ذلك . [ ثمّ ذكر الرّوايات في هذا المعنى ، وقد سبقت ] ( 1 : 409 ) الفاضل المقداد : يقال : أحصر الرّجل ، إذا منع من مراده بمرض أو عدوّ أو غيرهما ، قال اللّه تعالى : الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ البقرة : 276 ، وحصر ، إذا حبسه عدوّ عن المضيّ أو سجن ، ومنه قيل للحبس : الحصر ، وهما بمعنى المنع من كلّ شيء ، مثل صدّه وأصدّه . فعند أبي حنيفة : كلّ منع بعدوّ أو مرض أو غيرهما ، يثبت له حكم الإحصار ، وعند مالك والشّافعيّ وأحمد يختصّ الحصر بمنع العدوّ وحده . وأمّا المنع بالمرض فقالوا : يبقى على إحرامه ولا يتحلّل حتّى يصل إلى البيت . فإن فاته الحجّ ، فعل ما يفعله المفوّت من عمل العمرة والهدي والقضاء ، هذا إذا لم يشترط عندهم . أمّا مع الشّرط فالصّد والحصر سواء . وعند أصحابنا الإماميّة : أنّ « الإحصار » يختصّ بالمرض و « الصّد » بالعدوّ وما ماثله ، لاشتراك الجميع في المنع من بلوغ المراد . ولمّا كان لكلّ منهما حكم ليس للآخر اختصّ باسم ، فإنّ حكم الممنوع بالمرض أن يبعث هديه مع أصحابه ، ويواعدهم يوما لذبحه ، فيتحلّل في ذلك اليوم من كلّ شيء إلّا من النّساء ، حتّى يحجّ في القابل إن كان حجّه واجبا ، أو يطاف عنه للنّساء إن كان حجّه ندبا . والممنوع بالعدوّ يذبح هديه حينئذ ، ويحلّ له كلّ شيء حتّى النّساء . وهنا فروع : يتحقّق « الصّدّ » عندنا بالمنع عن الموقفين معا لا عن أحدهما ، مع حصول الآخر . أمّا الصّدّ عن مكّة مع حصول الموقفين خاصّة فإشكال ، أقربه عدم تحقّقه إن كان قد تحلّل ، فيبقى على إحرامه بالنّسبة إلى