مجمع البحوث الاسلامية

416

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

إذا حبس رفده ولم يخرج ما يخرجه النّدامى ، يقال : شرب القوم فحصر عليهم فلان ، أي بخل ، عن أبي عمرو . وفي التّنزيل : وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً أي محبسا . والحصير : الملك ، لأنّه محجوب . فيحيى عليه السّلام حصور « فعول » بمعنى « مفعول » لا يأتي النّساء ، كأنّه ممنوع ممّا يكون في الرّجال ، عن ابن مسعود وغيره . و « فعول » بمعنى « مفعول » كثير في اللّغة ، ومن ذلك حلوب بمعنى محلوب . وقال ابن مسعود أيضا وابن عبّاس وابن جبير وقتادة وعطاء وأبو الشّعثاء والحسن والسّدّيّ وابن زيد : هو الّذي يكفّ عن النّساء ولا يقربهنّ مع القدرة . وهذا أصحّ الأقوال لوجهين : أحدهما : أنّه مدح وثناء عليه ، والثّناء إنّما يكون عن الفعل المكتسب دون الجبلّة في الغالب . الثّاني : أنّ « فعولا » في اللّغة من صيغ الفاعلين . ولعلّ هذا كان شرعه ، فأمّا شرعنا فالنّكاح ، كما تقدّم . . . وقيل : معناه الحابس نفسه عن معاصي اللّه عزّ وجلّ . [ واستشهد بالشّعر 5 مرّات ] ( 4 : 77 ) ابن كثير : [ ذكر الأقوال والرّوايات ثمّ أضاف : ] وقد قال القاضي عياض في كتابه « الشّفاء » : اعلم أنّ ثناء اللّه تعالى على يحيى أنّه كان ( حصورا ) ليس كما قاله بعضهم : إنّه كان هيوبا ، أولا ذكر له . بل قد أنكر هذا حذّاق المفسّرين ونقّاد العلماء ، وقالوا : هذه نقيصة وعيب ، ولا يليق بالأنبياء عليهم السّلام . وإنّما معناه أنّه معصوم من الذّنوب ، أي لا يأتيها ، كأنّه حصور عنها . وقيل : مانعا نفسه من الشّهوات ، وقيل : ليست له شهوة في النّساء . وقد بان لك من هذا أنّ عدم القدرة على النّكاح نقص ، وإنّما الفضل في كونها موجودة ثمّ يمنعها : إمّا بمجاهدة كعيسى ، أو بكفاية من اللّه عزّ وجلّ كيحيى عليه السّلام . ثمّ هي في حقّ من قدر عليها وقام بالواجب فيها ، ولم تشغله عن ربّه درجة عليا ، وهي درجة نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم الّذي لم يشغله كثرتهنّ عن عبادة ربّه بل زاده ذلك عبادة بتحصينهنّ ، وقيامه عليهنّ وإكسابه لهنّ ، وهدايته إيّاهنّ . بل قد صرّح أنّها ليست من حظوظ دنياه هو ، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره . فقال : « حبّب إليّ من دنياكم » هذا لفظه . والمقصود أنّه مدح ليحيى بأنّه حصور ، ليس أنّه لا يأتي النّساء ، بل معناه - كما قاله هو وغيره - أنّه حصور من الفواحش والقاذورات ، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنّساء الحلال وغشيانهنّ وإيلادهنّ . بل قد يفهم وجود النّسل له من دعاء زكريّا المتقدّم ؛ حيث قال : هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً آل عمران : 38 ، كأنّه قال ولدا له ذريّة ونسل وعقب ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . ( 2 : 35 ) الشّربينيّ : أي مبالغا في حبس النّفس عن الشّهوات والملاهي . روي أنّه مرّ وهو طفل بصبيان فدعوه إلى اللّعب ، فقال : ما للّعب خلقت . وقال سعيد بن المسيّب : الحصور : هو المعسر الّذي لا ماء له ، فيكون الحصور بمعنى المحصور ، كأنّه ممنوع من