مجمع البحوث الاسلامية

344

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ولمحمّد عبده في تفسير جزء « عمّ » رأي خاصّ في وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ، وهو أنّها جاءت في عداد ما يحدث قبل يوم القيامة في هذا العالم ، دون ما يحدث بعده ، قال تعالى : وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ إلى هنا راجع إلى حوادث الدّنيا قبل القيامة ، ثمّ يقول : وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ أي ردّت الأرواح إلى الأجساد ، أو كلّ نفس إلى نظيرها من أهل الجنّة أو النّار وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وهكذا سائر الآيات . فالمراد بها جمع الوحوش بلا خوف بعضها من بعض وكانت كذلك قبلها . وهذا وجه وجيه لولا مجيء وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ خلال ما يحدث بعد قيامها ، فجائز ذكر ما يحدث بعدها خلال ما يحدث قبلها ، فلاحظ . وممّن نفى بعثها من الفريق الثّاني ابن عطيّة ، فردّ حديث ابن عبّاس المتقدّم ونظائره من الأحاديث إلى المجاز ، وقال : « إنّما هي كناية عن العدل وليست بحقيقة ، فهو قول مردود ينحو إلى القول بالرّموز ونحوها » . وقال أبو حيّان : « وعلى القول بحشر البهائم مع النّاس اختلفوا في المعنى الّذي تحشر لأجله ، فذهب أهل السّنّة إلى أنّها لإظهار القدرة على الإعادة ، وفي ذلك تخجيل لمن أنكر ذلك ، فقال : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ يس : 78 . وقال الآلوسيّ : « مال حجّة الإسلام الغزاليّ وجماعة إلى أنّه لا يحشر غير الثّقلين ، لعدم كونه مكلّفا ولا أهلا للكرامة بوجه ، وليس في هذا الباب نصّ من كتاب أو سنّة معوّل عليها يدلّ على حشر غيرهما من الوحوش . وخبر مسلم والتّرمذيّ وإن كان صحيحا ، لكنّه لم يخرج مخرج التّفسير للآية ، ويجوز أن يكون كناية عن العدل التّامّ » . وقال في موضع آخر : « إنّ قوله : إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ مجموعه مستعار على سبيل التّمثيل للموت ، كما ورد في الحديث : « من مات فقد قامت قيامته » ، فلا يرد عليه أنّ الحشر بعث من مكان إلى آخر ، وتعديته ب ( إلى ) تنصيص على أنّه لم يرد به الموت ، مع أنّ في الموت أيضا نقلا من الدّنيا إلى الآخرة » . ج - قرئ ( يحشرون ) في ( 40 ) : ( حشّرت ) للتّكثير ، ونسبها الآلوسيّ إلى الحسن وعمرو بن ميمون ، وهي تناسب معنى الجمع والموت ، أي أحضرت جميعا ، أو حلّ بها الموت الذّريع . الموضع الثّاني : حشر الخلق في ( 10 ) و ( 18 ) و ( 21 ) ، وفيها بحوث : أ - استعمل في ( 10 ) المصدر ( حشر ) موصوفا ب ( يسير ) ، وفي ( 18 ) و ( 21 ) الفعل المضارع ( نحشرهم ) و ( يحشرهم ) على التّوالي ، متّصلين بالضّمير ( هم ) ومسندين إلى ضمير جمع المتكلّمين وضمير المفرد الغائب على القراءة المشهورة ، أو مسندين إلى ضمير الغيبة معا على القراءة غير المشهورة ؛ إذ نقل أبو حيّان في ذيل تفسير ( 21 ) أنّه « قرأ حفص ( يحشرهم ) بالياء ، وباقي السّبعة بالنّون » . ب - أرجع الفخر الرّازيّ الضّمير في ( نحشرهم ) من ( 18 ) إلى الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ في الآية