مجمع البحوث الاسلامية

29

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

البروسويّ : نداء للحسرة عليهم . والحسرة - وهي أشدّ الغمّ والنّدامة على الشّيء الفائت - لا تدعى ولا يطلب إقبالها ، لأنّها ممّا لا تجيب ، والفائدة في ندائها مجرّد تنبيه المخاطب وإيقاظه ، ليتمكّن في ذهنه أنّ هذه الحالة تقتضي الحسرة وتوجب التّلهّف . فإنّ العرب تقول : يا حسرة يا عجبا للمبالغة في الدّلالة على أنّ هذا زمان الحسرة والتّعجّب ، والنّداء عندهم يكون لمجرّد التّنبيه . وقد جوّز أن يكون تحسّرا عليهم من جهة اللّه بطريق الاستعارة ، لتعظيم ما جنوه على أنفسهم ، شبّه استعظام اللّه لجنايتهم على أنفسهم بتحسّر الإنسان على غيره ، لأجل ما فاته من الدّولة العظمى ، من حيث إنّ ذلك التّحسّر يستلزم استعظام ما أصاب ذلك الغير ، والإنكار على ارتكابه والوقوع فيه . ويؤيّده قراءة ( يا حسرتا ) لأنّ المعنى : يا حسرتي ، ونصبها لطولها بما تعلّق بها من الجارّ ، أي لكونها مشابهة بالمنادى المضاف في طولها بالجارّ المتعلّق . [ إلى أن قال : ] وفي تفسير « العيون » قوله : يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ بيان حال استهزائهم بالرّسل ، أي يقال يوم القيامة : يا حسرة وندامة على الكفّار ، حيث لم يؤمنوا برسلهم . ( 7 : 389 ) الآلوسيّ : الحسرة على ما قال الراغب : الغمّ على ما فات والنّدم عليه ، كأنّ المتحسّر انحسر عنه قواه من فرط ذلك أو أدركه إعياء عن تدارك ما فرط منه . وفي « البحر » هي أن يركب الإنسان من شدّة النّدم ما لا نهاية بعده حتّى يبقى حسيرا . والظّاهر أنّ ( يا ) للنّداء و ( حسرة ) هو المنادى ، ونداؤها مجاز بتنزيلها منزلة العقلاء ، كأنّه قيل : يا حسرة احضري فهذه الحال من الأحوال الّتي من حقّها أن تحضري فيها ، وهي ما دلّ عليها قوله تعالى : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يس : 30 ، والمراد ب ( العباد ) : مكذّبو الرّسل ، ويدخل فيهم المهلكون المتقدّمون دخولا أوّليّا . وقيل : هم المراد وليس بذاك ، وبالحسرة المناداة : حسرتهم ، والمستهزؤون بالنّاصحين المخلصين المنوط بنصحهم خير الدّارين ، أحقّاء بأن يتحسّروا على أنفسهم ؛ حيث فوّتوا عليها السّعادة الأبديّة وعوّضوها العذاب المقيم . ويؤيّد هذا قراءة ابن عبّاس ، وأبيّ ، وعليّ بن الحسين ، والضّحّاك ، ومجاهد ، والحسن ( يا حسرة العباد ) بالإضافة ، وكون المراد حسرة غيرهم عليهم ، والإضافة لأدنى ملابسة خلاف الظّاهر . وأخرج ابن جرير ، وغيره عن قتادة أنّه قال في بعض القراءات : ( يا حسرة العباد على أنفسها ما يأتيهم ) إلخ . وجوّز أن تكون حسرة الملائكة عليهم السّلام والمؤمنين من الثّقلين ، وعن الضّحّاك : تخصيصها بحسرة الملائكة عليهم السّلام ، وزعم أنّ المراد ب ( العباد ) : الرّسل الثّلاثة . وأبو العالية فسّر ( العباد ) بهذا أيضا ، لكنّه حمل « الحسرة » على حسرة الكفّار المهلكين ، قال : تحسّروا حين رأوا عذاب اللّه تعالى وتلهّفوا على ما فاتهم . وقيل : المراد ب ( العباد ) : المهلكون ، والمتحسّر : الرّجل الّذي جاء من أقصى المدينة تحسّر لمّا وثب القوم لقتله . وقيل : المراد ب ( العباد ) : أولئك ، والمتحسّر الرّسل حين قتلوا ذلك الرّجل وحلّ بهم العذاب ، ولم يؤمنوا .