مجمع البحوث الاسلامية

288

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

في مقام التّعليل ، لما ذكر من إحسانه تعالى عليهم بالجنّتين ، وما فيهما من أنواع النّعم والآلاء ، فيفيد أنّه تعالى يحسن إليهم هذا الإحسان جزاء لإحسانهم بالخوف من مقام ربّهم . وتفيد الآية أنّ ما أوتوه من الجنّة ونعيمها جزاء لأعمالهم . وأمّا ما يستفاد من بعض الآيات أنّهم يعطون فضلا وراء جزاء أعمالهم ، فلا تعرّض في هذه الآيات لذلك ، إلّا أن يقال : ( الاحسان ) إنّما يتمّ إذا كان يربو على ما أحسن به المحسن إليه . فإطلاق ( الاحسان ) في قوله : ( الّا الاحسان ) يفيد الزّيادة . ( 19 : 110 ) عبد الكريم الخطيب : أي إنّ هذا النّعيم الّذي يفاض من اللّه سبحانه وتعالى على المؤمنين في الجنّة ، هو جزاء إحسانهم في الدّنيا ، وخوفهم مقام ربّهم ، كما يقول سبحانه عنهم : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . . . وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ الذّاريات : 15 - 18 . وإذا كان هؤلاء المحسنون قد أحسنوا العمل ، فإنّ هذا النّعيم الّذي هم فيه لا يعدله إحسان المحسنين ، مهما بالغوا في الإحسان ، وإنّما هو فضل من اللّه عليهم ومضاعفة للجزاء الحسن ، الّذي كانت أعمالهم الحسنة مدخلا إليه ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ يونس : 26 . ( 14 : 694 ) شوقي ضيف : لكلمة ( الاحسان ) معنيان : معنى الإتقان في العمل ، ومعنى الإنعام على الغير ، وقد استخدمت في الآية بالمعنيين جميعا . فكلمة ( الاحسان ) الأولى يراد بها : إحسان الإنسان في عمله وامتثاله لطاعات ربّه ، وكلمة ( الاحسان ) الثّانية يراد بها : إحسان اللّه على المتّقين المؤمنين بنعيم الجنّات والرّضوان . وقيل : بل الإحسان الأوّل : التّوحيد وكلمة الشّهادة ، لما روي من أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم تلا الآية ، ثمّ قال : « يقول اللّه : هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلّا أن أسكنه جنّتي وحظيرة قدسي » . وذهب كثير من المفسّرين - منهم البيضاويّ - إلى أنّ الإحسان الأوّل : الإحسان في العمل عامّة ، وكأنّ الرّسول عليه السّلام نصّ من هذا الإحسان على أعظم أصنافه ، وهو الإيمان بوحدانيّة اللّه اعتقادا وعملا . وفي الحديث عن أبي ذرّ أنّه قال : « يا رسول اللّه دلّني على عمل يدخلني الجنّة ويباعدني عن النّار » . فقال عليه السّلام : « إذا عملت سيّئة فاعمل بجانبها حسنة فإنّها بعشر أمثالها » ، فقال : « يا رسول اللّه : لا إله إلّا اللّه من الحسنات ؟ » فقال عليه السّلام : « هي أحسن الحسنات » إذ هي الأصل الأوّل في الإيمان ونوره وهداه . ومن إحسان المؤمن امتثاله لجميع تعاليم الدّين الحنيف والنّهوض بعباداته على الوجه الأكمل ، كما جاء في الحديث النّبويّ : « الإحسان : أن تعبد اللّه كأنّك تراه . . . » . والإحسان بهذا المعنى يتطلّب أن يستشعر المؤمن دائما أنّه بحضرة ربّه يراقبه في كلّ صغيرة وكبيرة في السّرّ وفي العلن ، لا تخفى عليه منه خافية . وهو دائما يصفّي له نفسه بالتّوحيد والإخلاص الصّادق والخشية والإنابة والعبادة حقّ العبادة . ويتردّد في القرآن وصف المؤمنين الّذين عملوا الصّالحات بأنّهم محسنون ، كما في آية الزّمر : 33 ، 34 ، أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ