مجمع البحوث الاسلامية

286

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

بشكره ، فيعرضون هم على أنفسهم عبادته تعالى ، فيكون لهم بأدنى عبادة شغل شاغل عن الحور والقصور والأكل والشّرب ، فلا يأكلون ولا يشربون ولا يتنابذون ولا يلعبون ، فيكون حالهم كحال الملائكة في يومنا هذا ، لا يتناكحون ولا يلعبون ، فلا يكون ذلك تكليفا مثل هذه التّكاليف الشّاقّة ، وإنّما يكون ذلك لذّة زائدة على كلّ لذّة في غيرها . اللّطيفة الثّانية : هذه الآية تدلّ على أنّ العبد محكم « 1 » في الآخرة ، كما قال تعالى : لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ يس : 57 ، وذلك لأنّا بيّنّا أنّ الإحسان هو الإتيان بما هو حسن عند من أتى بالإحسان . لكنّ اللّه لمّا طلب منّا العبادة طلب كما أراد ، فأتى به المؤمن كما طلب منه ، فصار محسنا ، فهذا يقتضي أن يحسن اللّه إلى عبده ويأتي بما هو حسن عنده ، وهو ما يطلبه كما يريد ، فكأنّه قال : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ أي هل جزاء من أتى بما طلبته منه على حسب إرادتي إلّا أن يؤتى بما طلبه منّي على حسب إرادته . لكن الإرادة متعلّقة بالرّؤية ، فيجب بحكم الوعد أن تكون هذه آية دالّة على الرّؤية التّكليفيّة . اللّطيفة الثّالثة : هذه الآية تدلّ على أنّ كلّ ما يفرضه الإنسان من أنواع الإحسان من اللّه تعالى ، فهو دون الإحسان الّذي وعد اللّه تعالى به ، لأنّ الكريم إذا قال للفقير : افعل كذا ولك كذا دينارا ، وقال لغيره : افعل كذا على أن أحسن إليك ، يكون رجاء من لم يعيّن له أجرا أكثر من رجاء من عيّن له ، هذا إذا كان الكريم في غاية الكرم ونهاية الغنى . إذا ثبت هذا ، فاللّه تعالى قال : جزاء من أحسن إليّ أن أحسن إليه بما يغبط به ، وأوصل إليه فوق ما يشتهيه ، فالّذي يعطي اللّه فوق ما يرجوه ، وذلك على وفق كرمه وإفضاله . ( 29 : 131 ) الخازن : [ نقل بعض الأقوال المتقدّمة ثمّ قال : ] وقيل : التّكليف في معنى الآية هل جزاء من أتى بالفعل الحسن إلّا أن يؤتى في مقابلته بفعل حسن ، وفي الآية إشارة إلى رفع في الآخرة ، لأنّ اللّه وعد المؤمنين بالإحسان وهو الجنّة ، فلو بقي التّكليف في الآخرة وتركه العبد لاستحقّ العقاب على ترك العمل ، والعقاب على ترك الإحسان إليه فلا تكليف . ( 7 : 10 ) أبو حيّان : [ نحو الطّوسيّ وقال : ] وقرأ ابن أبي إسحاق ( الّا الحسان ) يعني بالحسان : الحور العين . ( 8 : 198 ) الفيروز اباديّ : والإحسان من أفضل منازل العبوديّة ، لأنّه لبّ الإيمان وروحه وكماله ، وجميع المنازل منطوية فيها . قال تعالى : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الإحسان : أن تعبد اللّه كأنّك تراه » . وأمّا الآية فقال ابن عبّاس والمفسّرون : هل جزاء من قال : « لا إله إلّا اللّه » وعمل بما جاء به محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم إلّا الجنّة ؟ ! وقد روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قرأ هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ثمّ قال : « هل تدرون ما قال ربّكم ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال : يقول : هل جزاء من أنعمت عليه بالتّوحيد إلّا الجنّة » ؟ ! . فالحديث إشارة

--> ( 1 ) أي يتوجّه إليه حكم .