مجمع البحوث الاسلامية

280

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

إحسانه ؛ إذ ليس الجزاء بواجب . فإلى حقيقة الإحسان ترجع أصول وفروع آداب المعاشرة كلّها في العائلة والصّحبة . والعفو عن الحقوق الواجبة من الإحسان ، لقوله تعالى : وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ آل عمران : 134 ، وتقدّم عند قوله : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً الأنعام : 151 . ( 13 : 205 ) الطّباطبائيّ : [ طوّل الكلام في « العدل » ثمّ قال : ] ( والاحسان ) : الكلام فيه من حيث اقتضاء السّياق كسابقه ، فالمراد به الإحسان إلى الغير دون الإحسان بمعنى إتيان الفعل حسنا ، وهو إيصال خير أو نفع إلى غير لا على سبيل المجازاة والمقابلة ، كأن يقابل الخير بأكثر منه ، ويقابل الشّرّ بأقلّ منه ، ويوصل الخير إلى غير متبرّعا به ابتداء . والإحسان على ما فيه من إصلاح حال من أذلّته المسكنة والفاقة ، أو اضطرّته النّوازل ، وما فيه من نشر الرّحمة وإيجاد المحبّة ، يعود محمود أثره إلى نفس المحسن بدوران الثّروة في المجتمع ، وجلب الأمن والسّلامة بالتّحبيب . ( 12 : 332 ) عبد الكريم الخطيب : مناسبة هذه الآية لما قبلها ، هي أنّه وقد ذكر اللّه سبحانه وتعالى في الآية السّابقة : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ النّحل : 89 ، ناسب أن يجيء بعدها بيان لما في القرآن الكريم من تبيان لكلّ شيء ، وهدى ، ورحمة ، وبشرى للمسلمين . وهذا ما ضمّت عليه هذه الآية . . . فما في القرآن الكريم كلّه ، هو دعوة إلى العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، ونهي عن الفحشاء والمنكر والبغي . ف ( العدل ) هو القيام على طريق الحقّ في كلّ أمر ، فمن أقام وجوده على العدل استقام على طريق مستقيم ، فلم ينحرف عنه أبدا ، ولم تتفرّق به السّبل إلى غايات الخير . ومن أتبع العدل بالإحسان ، نما الخير في يده ، وطابت مغارسه الّتي يغرسها في منابت العدل . وقد جاء الأمر بالعدل والإحسان مطلقا ، ليحتوي العدل كلّه ، ويشمل الإحسان جميعه ، فهو عدل عامّ شامل ؛ حيث يعدل الإنسان مع نفسه ، فلا يجوز عليها بإلقائها في التّهلكة ، وسوقها في مواقع الإثم والضّلال . ويعدل مع النّاس فلا يعتدي على حقوقهم ، ولا يمدّ يده إلى ما ليس له . ويعدل مع خالقه ، فلا يجحد فضله ، ولا يكفر بنعمه ، ولا ينكر وجوده وقيّومته عليه ، وعلى كلّ موجود . كذلك الإحسان ، هو إحسان مطلق ، يتناول كلّ قول يقوله الإنسان ، وكلّ عمل يعمله . وإحسان القول : أن يقوم على سنن العدل ، والحقّ والخير . وإحسان العمل ينضبط على موازين الكمال والإتقان ، كما يقول سبحانه : وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ . . . البقرة : 195 ، بل إنّ الإحسان هو الإيمان باللّه على أتمّ صورة وأكملها ؛ بحيث لا يبلغ درجة الإحسان ، إلّا من عبد اللّه على هذا الوجه الّذي بيّنه الرّسول الكريم ، في قوله حين سأله جبريل - وقد جاء على صورة أعرابيّ - فقال : « ما الإحسان ؟ فقال صلوات اللّه وسلامه عليه : أن تعبد اللّه . . . » . ( 7 : 349 ) مكارم الشّيرازيّ : أكمل برنامج اجتماعيّ : بعد أن ذكرت الآيات السّابقة أنّ القرآن فيه تبيان لكلّ شيء ، جاءت هذه الآية المباركة لتقدّم نموذجا من