مجمع البحوث الاسلامية

270

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وقال العلّامة الطّيّبيّ : إنّ قوله تعالى : لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ قد طابق قوله سبحانه : ( جاهدوا ) لفظا ومعنى ، أمّا اللّفظ فمن حيث الإطلاق في المجاهد والمعيّة . وأمّا المعنى فالمجاهد للأعداء يفتقر إلى ناصر ومعين . ثمّ إنّ جملة قوله عزّ وجلّ : إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ تذييل للآية ، مؤكّد بكلمتي التّوكيد ، محلّى باسم الذّات ، ليؤذن بأنّ من جاهد بكلّيّته وشراشره « 1 » في ذاته جلّ وعلا ، تجلّى له الرّبّ عزّ اسمه الجامع في صفة النّصرة والإعانة تجلّيا تامّا . ثمّ إنّ هذه خاتمة شريفة للسّورة ، لأنّها مجاوبة لمفتتحها ناظرة إلى فريدة قلادتها أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ العنكبوت : 2 ، لامحة إلى واسطة عقدها يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ العنكبوت : 56 ، وهي في نفسها جامعة فاذّة « 2 » ، انتهى . و ( أل ) في ( المحسنين ) يحتمل أن تكون للعهد ، فالمراد ب ( المحسنين ) : الّذين جاهدوا ، ووجه إقامة الظّاهر مقام الضّمير ظاهر ، وإلى ذلك ذهب الجمهور . ويحتمل أن تكون للجنس ، فالمراد بهم مطلق جنس من أتى بالأفعال الحسنة ، ويدخل أولئك دخولا أوّليّا برهانيّا . وقد روي عن ابن عبّاس أنّه فسّر ( المحسنين ) بالموحّدين ، وفيه تأييد مّا للاحتمال الثّاني ، واللّه تعالى أعلم . ( 21 : 15 ) المراغيّ : أي وإنّ اللّه ذا الرّحمة لمع من أحسن من خلقه ، فجاهد أهل الشّرك مصدّقا رسوله فيما جاء به من عند ربّه بالمعونة والنّصرة على من جاهد من أعدائه وبالمغفرة والثّواب في العقبى . ( 21 : 24 ) . ابن عاشور : والمراد ب ( المحسنين ) : جميع الّذين كانوا محسنين ، أي كان عمل الحسنات شعارهم وهو عامّ . وفيه تنويه بالمؤمنين بأنّهم في عداد من مضى من الأنبياء والصّالحين . وهذا أوقع في إثبات الفوز لهم ممّا لو قيل : فأولئك المحسنون ، لأنّ في التّمثيل بالأمور المقرّرة المشهورة تقريرا للمعاني ، ولذلك جاء في تعليم الصّلاة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قوله : « كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم » . والمعيّة : هنا مجاز في العناية والاهتمام بهم ، والجملة في معنى التّذييل بما فيها من معنى العموم . وإنّما جيء بها معطوفة ، للدّلالة على أنّ المهمّ من سوقها هو ما تضمّنته من أحوال المؤمنين ، فعطفت على حالتهم الأخرى ، وأفادت التّذييل بعموم حكمها . ( 20 : 207 ) الطّباطبائيّ : قيل : أي معيّة النّصرة والمعونة ، وتقدّم الجهاد المحتاج إليهما قرينة قويّة على إرادة ذلك . انتهى . وهو وجه حسن وأحسن منه أن يفسّر بمعيّة الرّحمة والعناية ، فيشمل معيّة النّصرة والمعونة وغيرهما من أقسام العنايات الّتي له سبحانه بالمحسنين من عباده ، لكمال عنايته بهم وشمول رحمته لهم . وهذه المعيّة أخصّ من معيّة الوجود الّذي ينبئ عنه قوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ الحديد : 4 . ( 16 : 152 ) عبد الكريم الخطيب : تطمين لقلوب المؤمنين ،

--> ( 1 ) : النّفس وجميع الجسد . ( 2 ) : منفردة في معناها .