مجمع البحوث الاسلامية
218
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الرّابع : ( حسنا ) أي قول هو حسن في نفسه لإفراط حسنه . المسألة الثّانية : يقال : لم خوطبوا ب ( قولوا ) بعد الإخبار ؟ والجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : أنّه على طريقة الالتفات ، كقوله تعالى : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ يونس : 22 . وثانيها : فيه حذف ، أي قلنا لهم : قولوا . وثانيها : الميثاق لا يكون إلّا كلاما ، كأنّه قيل : قلت : لا تعبدوا وقولوا . المسألة الثّالثة اختلفوا في أنّ المخاطب بقوله : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً من هو ؟ فيحتمل أن يقال : إنّه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلّا اللّه ، وعلى أن يقولوا للنّاس حسنا . ويحتمل أن يقال : إنّه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلّا اللّه ، ثمّ قال لموسى وأمّته : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً . والكلّ ممكن بحسب اللّفظ وإن كان الأوّل أقرب ، حتّى تكون القصّة قصّة واحدة مشتملة على محاسن العادات ومكارم الأخلاق ، من كلّ الوجوه . المسألة الرّابعة : منهم من قال : إنّما يجب القول الحسن مع المؤمنين ، أمّا مع الكفّار والفسّاق فلا ، والدّليل عليه وجهان : الأوّل : أنّه يجب لعنهم وذمّهم والمحاربة معهم ، فكيف يمكن أن يكون القول معهم حسنا . الثّاني : قوله تعالى : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ النّساء : 148 فأباح الجهر بالسّوء لمن ظلم ، ثمّ إنّ القائلين بهذا القول منهم من زعم أنّ هذا الأمر صار منسوخا بآية القتال ، ومنهم من قال : إنّه دخله التّخصيص ، وعلى هذا التّقدير يحصل هاهنا احتمالان : أحدهما : أن يكون التّخصيص واقعا بحسب المخاطب ، وهو أن يكون المراد : وقولوا للمؤمنين حسنا . والثّاني : أن يقع بحسب الخطاب ، وهو أن يكون المراد : قولوا للنّاس حسنا في الدّعاء إلى اللّه تعالى ، وفي الأمر بالمعروف . فعلى الوجه الأوّل يتطرّق التّخصيص إلى المخاطب دون الخطاب ، وعلى الثّاني يتطرّق إلى الخطاب دون المخاطب . وزعم أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر : أنّ هذا العموم باق على ظاهره ، وأنّه لا حاجة إلى التّخصيص . وهذا هو الأقوى ، والدّليل عليه أنّ موسى وهارون مع جلال منصبهما أمرا بالرّفق واللّين مع فرعون ، وكذلك محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم مأمور بالرّفق وترك الغلظة ، وكذا قوله تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ النّحل : 125 ، وقال تعالى : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ الأنعام : 108 ، وقوله : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً الفرقان : 72 ، وقوله : وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ الأعراف : 199 . أمّا الّذي تمسّكوا به أوّلا من أنّه يجب لعنهم وذمّهم ، فلا يمكنهم القول الحسن معهم . قلنا أوّلا : لا نسلّم أنّه يجب لعنهم وسبّهم ، والدّليل عليه قوله تعالى : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ .