مجمع البحوث الاسلامية
215
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
مثال « فعلى » . واختلف أهل العربيّة في فرق ما بين معنى قوله : ( حسنا ) و ( حسنا ) ، فقال بعض البصريّين : هو على أحد وجهين : إمّا أن يكون يراد بالحسن : الحسن ، وكلاهما لغة ، كما يقال : البخل والبخل ، وإمّا أن يكون جعل الحسن هو الحسن في التّشبيه ، وذلك أنّ الحسن مصدر ، والحسن هو الشّيء الحسن ، ويكون ذلك حينئذ كقولك : إنّما أنت أكل وشرب . وقال آخر : بل « الحسن » هو الاسم العامّ الجامع جميع معاني الحسن ، و « الحسن » هو البعض من معاني الحسن ، قال : ولذلك قال جلّ ثناؤه إذ أوصى بالوالدين : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً العنكبوت : 8 ، يعني بذلك أنّه وصّاه فيهما بجميع معاني الحسن ، وأمر في سائر النّاس ببعض الّذي أمره به في والديه ، فقال : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً يعني بذلك : بعض معاني الحسن . والّذي قاله هذا القائل في معنى الحسن بضمّ الحاء وسكون السّين غير بعيد من الصّواب ، وإنّه اسم لنوعه الّذي سمّي به . وأمّا « الحسن » فإنّه صفة وقعت لما وصف به ، وذلك يقع بخاصّ . وإذا كان الأمر كذلك ، فالصّواب من القراءة في قوله : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً لأنّ القوم إنّما أمروا في هذا العهد الّذي قيل لهم : وَقُولُوا لِلنَّاسِ باستعمال الحسن من القول دون سائر معاني الحسن ، الّذي يكون بغير القول ، وذلك نعت لخاصّ من معاني الحسن وهو القول ، فلذلك اخترت قراءته بفتح الحاء والسّين ، على قراءته بضمّ الحاء وسكون السّين . وأمّا الّذي قرأ ذلك ( وقولوا للنّاس حسنى ) فإنّه خالف بقراءته إيّاه كذلك قراءة أهل الإسلام ، وكفى شاهدا على خطأ القراءة بها ، كذلك خروجها من قراءة أهل الإسلام لو لم يكن على خطئها شاهد غيره ، فكيف وهي مع ذلك خارجة من المعروف من كلام العرب ؛ وذلك أنّ العرب لا تكاد أن تتكلّم ب « فعلى ، وأفعل » إلّا بالألف واللّام أو بالإضافة ، لا يقال : جاءني أحسن حتّى يقولوا : الأحسن ، ولا يقال : أجمل حتّى يقولوا : الأجمل ؛ وذلك أنّ « الأفعل ، والفعلي » لا يكادان يوجدان صفة إلّا لمعهود معروف ، كما تقول : بل أخوك الأحسن ، وبل أختك الحسنى ، وغير جائز أن يقال : امرأة حسنى ، ورجل أحسن . وأمّا تأويل القول الحسن - الّذي أمر اللّه به الّذين وصف أمرهم من بني إسرائيل في هذه الآية ، لأن يقولوه للنّاس - فهو ما حدّثنا به أبو كريب . . . عن ابن عبّاس في قوله : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً أمرهم أيضا بعد هذا الخلق أن يقولوا للنّاس حسنا : أن يأمروا ب « لا إله إلّا اللّه » من لم يقلها ، ورغب عنها حتّى يقولوها كما قالوها ، فإنّ ذلك قربة من اللّه جل ثناؤه . [ واستشهد بالشّعر مرّتين ] ( 1 : 390 ) نحوه الزّجّاج . ( 1 : 163 ) أبو زرعة : قرأ حمزة والكسائيّ : ( وقولوا للنّاس حسنا ) بفتح الحاء والسّين ، وحجّتهم أنّ ( حسنا ) وصف للقول الّذي كفّ عن ذكره لدلالة وصفه عليه ، كأنّ تأويله : وقولوا للنّاس قولا حسنا ، فترك القول واقتصر على نعته . وقد نزل القرآن بنظير ذلك ، فقال عزّ وجلّ :