مجمع البحوث الاسلامية
203
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
إلى هذين المعنيين ، كما أشارت إليها الأحاديث الإسلاميّة . [ ثمّ نقل حديثي النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله والإمام عليّ عليه السّلام ] ولا بدّ هنا من الالتفات إلى هذه النّقطة ، وهي أنّ هذه الأحكام أخلاقيّة تخصّ الحالات الّتي يحصل فيها تأثير على الآخرين ، وهناك قوانين وأحكام جزائيّة واردة في التّشريع الإسلاميّ لمعاقبة المسيئين . ( 7 : 346 ) فضل اللّه : بانفتاحهم على الجانب الإنسانيّ الخيّر ، من شخصيّة الإنسان الّذي يعيش رحابة الصّدر ، وسعة الأفق ، وإنسانيّة النّظرة ، وروحيّة المعاملة ، فلا يتعقّد من الإساءة إليه ، ليتحوّل ذلك إلى حالة مرضيّة في نفسه ، بل يحاول أن يمتصّ السّلبيّات ليحوّلها إلى إيجابيّات ، ويواجه السّيّئات بروحيّة تطمح إلى تبديلها بالحسنات ، فيحسن لمن أساء إليه ، ويعفو عمّن اعتدى عليه ، ويصل من قطعه ، حتّى يجعل من ذلك حافزا يدفع الطّرف الآخر للتّراجع عن خطئه ، والرّجوع إلى ربّه ، انطلاقا من القناعة بأنّ الفعل الأخلاقيّ متعلّق بالإحساس الدّاخليّ بالمبدأ ، لا من موقف ردّ الفعل ، باعتبار القيمة الأخلاقيّة عمليّة تبادليّة ، يقدّم فيها الإنسان إلى الآخرين مقابل ما قدّموه إليه ، أو ينتظرهم ليتسلّموا زمام المبادرة في عمل الخير معه . وعلى ضوء ذلك ، نستطيع أن نفهم كيف يعدّ الإسلام الإنسان المسلم لقيادة الحياة من حوله ، ليتغلّب على كلّ سلبيّاتها الانفعاليّة ، بواسطة عقله الّذي يخطّط للمستقبل الواسع ، إذا فكّر النّاس من حوله بالزّوايا الضّيّقة للحاضر ، وبواسطة روحه الّتي تنفتح على مشاكل الآخرين ، بالرّوحيّة الّتي تعمل على حلّها ، لا على تعقيدها ، فإنّ ذلك هو السّبيل للسّيطرة على السّاحة ، بسياسة الاحتواء الفكريّ والأخلاقيّ الّذي لا يترك جانبا فارغا من الخير ، أو من الحركة الجدّيّة في اتّجاه التّجربة الواقعيّة لأعمال الخير . ( 13 : 46 ) وجاء نحوه : أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ . . . القصص : 54 حسنات إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ . . . الفرقان : 70 راجع « ب د ل - يبدّل » الحسنات 1 - وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . الأعراف : 168 ابن عبّاس : اختبرناهم بالخصب والرّخاء والنّعيم ، وَالسَّيِّئاتِ بالقحط والجدوبة والشّدّة . ( 141 ) وهكذا أكثر التّفاسير القشيريّ : أجراهم على ما علم أنّهم يكونون عليه من صلاح وسداد ، ومعاص وفساد ، ثمّ ابتلاهم بفنون الأفعال من محن أزاحها ، ومن منن أتاحها ، وطالبهم بالشّكر على ما أسدى ، والصّبر على ما أبلى ، ليظهر للملائكة والخلائق أجمعين جواهرهم في الخلاف