مجمع البحوث الاسلامية
193
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
بيّنت في الوصايا العشر أصول الآداب والفضائل الّتي يأمر بها الإسلام ، وما يقابلها من أصول الرّذائل والفواحش الّتي ينهى عنها ، فناسب بعد ذلك كلّه أن يبيّن الجزاء على كلّ منهما في الآخرة بعد الإشارة إلى فوائد الأمر والنّهي وما فيهما من المصالح الدّنيويّة بما ذيّلت به آيات الوصايا ، وما سبق من ذكر الجزاء في أثناء السّورة غير مغن عن هذه الآية ، لأنّه ليس عامّا كعمومها ، ولا مبيّنا للفرق بين الحسنات والسّيّئات كبيانها . فقوله تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها معناه أنّ كلّ من جاء ربّه يوم القيامة متلبّسا بالصّفة الحسنة الّتي يطبعها في نفسه طابع الإيمان والعمل الصّالح ، فله عنده من الجزاء عشر حسنات أمثالها من العطايا ، فإذا كان تأثير الحسنة في نفسه أن تكون حالة حسنة بقدر معيّن بحسب سننه تعالى ، في ترتيب الجزاء على آثار الأعمال الحسنة في تزكية الأنفس ، فهو يعطيه ذلك مضاعفا عشرة أضعاف ، تغليبا لجانب الحقّ والخير على جانب الباطل والشّرّ ، رحمة منه جلّ ثناؤه بعبيده المكلّفين . وقد قرأ يعقوب ( عشر ) بالتّنوين و ( أمثالها ) بالرّفع على الوصف . والظّاهر أنّ هذه العشر لا تدخل فيما وعد اللّه تعالى به من المضاعفة لمن يشاء على بعض الأعمال ، كالنّفقة في سبيله ، فقد وعد بالمضاعفة عليها بإطلاق في قوله : إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ التّغابن : 17 ، وبالمضاعفة الموصوفة بالكثرة في قوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً . . . البقرة : 245 ، ثمّ بالمضاعفة سبعمئة ضعف في قوله منها أيضا : 261 : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ قيل : إنّ المراد بالمضاعفة لمن يشاء هذه المضاعفة نفسها ، وقيل : بل المراد به غيرها أو ما يزيد عليها ، وقيل أيضا : إنّ المضاعفة كلّها خاصّة بالإنفاق . والأرجح أنّ المضاعفة عامّة وأنّ الجملة على إطلاقها ، فتتناول ما زاد على سبعمئة ضعف وما نقص عنه ، وهي تشير إلى تفاوت المنفقين وغيرهم من المحسنين في الصّفات النّفسيّة كالإخلاص في النّيّة ، والاحتساب والأريحيّة ، وفيما يتبعها من العمل كالإخفاء سترا على المعطى وتباعدا من الشّهرة ، والإبداء لأجل حسن القدوة ، وتحرّي المنافع والمصالح ، وفي الأحوال الماليّة والاجتماعيّة كالغنى والفقر والصّحّة والمرض ، وفيما يقابل ذلك من الصّفات والأعمال كالرّياء وحبّ الشّهرة الباطلة والمنّ والأذى . فالعشرة مبذولة لكلّ من أتى بالحسنة ، والمضاعفة فوقها تختلف بمشيئته تعالى ، بحسب ما يعلم من اختلاف أحوال المحسنين . ( 8 : 232 ) نحوه المراغيّ . ( 8 : 86 ) مغنيّة : كلّ ما فيه للّه رضا وللنّاس صلاح فهو حسنة ، وكلّ ما فيه سخط للّه وفساد للنّاس فهو سيّئة ، واللّه سبحانه عادل وكريم ، ومن عدله أن يجزي فاعل السّيّئة بما يعادلها من العذاب ، ومن كرمه أن يعفو ، وأن يضاعف لفاعل الحسنة أضعافا تزيد إلى عشرة أمثال ،