مجمع البحوث الاسلامية

191

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

بشهادة أن لا إله إلّا اللّه فله بكلّ عمل عمله في الدّنيا من الخير عشرة أمثاله من الثّواب . وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني الشّرك فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وهو الخلود في النّار ، لأنّ الشّرك أعظم الذّنوب ، والنّار أعظم العقوبة . فذلك قوله تعالى : جَزاءً وِفاقاً النّبأ : 26 يعني جزاء وافق العمل . وأمّا الحسنة فبخلاف ذلك ، لنصّ اللّه تعالى على ذلك . ( 7 : 151 ) النّيسابوريّ : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ . . . قبل ذلك حتّى يقدر على الإتيان بتلك الحسنة ، وهي حسنة الإيجاد من العدم ، وحسنة الاستعداد حيث خلقه في أحسن تقويم ، وحسنة التّربية ، وحسنة الرّزق ، وحسنة بعثة الرّسل ، وحسنة إنزال الكتب ، وحسنة تبيين الحسنات من السّيّئات ، وحسنة التّوفيق للحسنة ، وحسنة الإخلاص في الإحسان ، وحسنة قبول الحسنات . وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ . . . لأنّ السّيّئة بذر يزرع في أرض النّفس ، والنّفس خبيثة لأنّها أمّارة بالسّوء ، والحسنة بذر يزرع في أرض القلب ، والقلب طيّب وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً الأعراف : 58 والتّحقيق أنّه كما للأعداد ثلاث مراتب : الآحاد والعشرات والمئات ، وبعد ذلك تكون الألوف إلى حيث لا يتناهى ، فكذلك للإنسان أربع مراتب : النّفس ، والقلب ، والرّوح ، والسّرّ ، فالعمل الواحد في مرتبة النّفس ، أي إذا صدر عنها يكون واحدا ، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها ، وفي مرتبة الرّوح يكون بمائة ، وفي مرتبة السّرّ يكون بألف ، إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السّرّ وخلوص النّيّة إلى ما لا يتناهى ، وهذا سرّ ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت جزاء الحسنات ، واللّه تعالى أعلم ورسوله . ( 8 : 65 ) الخازن : يعني عشرة حسنات أمثالها ، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ . . . يعني مثلها في مقابلتها . واختلفوا في هذه الحسنة والسّيّئة على قولين : أحدهما : أنّ الحسنة : قول : « لا إله إلّا اللّه » ، والسّيّئة : هي الشّرك باللّه ، وأورد على هذا القول أنّ « كلمة التّوحيد » لا مثل لها حتّى يجعل جزاء قائلها عَشْرُ أَمْثالِها . وأجيب عنه بأنّ جزاء الحسنة قدر معلوم عند اللّه ، فهو يجازي على قدر إيمان المؤمن ، بما شاء من الجزاء . وإنّما قال : عَشْرُ أَمْثالِها للتّرغيب في الإيمان لا للتّحديد ، وكذلك جزاء السّيّئة بمثلها من جنسها . والقول الثّاني : أنّ اللّفظ عامّ في كلّ حسنة يعملها العبد أو سيّئة ، وهذا أولى ، لأنّ حمل اللّفظ على العموم أولى . قال بعضهم : التّقدير بالعشرة ليس للتّحديد ، لأنّ اللّه يضاعف لمن يشاء في حسناته إلى سبعمئة ، ويعطي من يشاء بغير حساب ، وإعطاء الثّواب لعامل الحسنة فضل من اللّه تعالى . هذا مذهب أهل السّنّة ، وجزاء السّيّئة بمثلها عدل منه سبحانه وتعالى ، وهو قوله تعالى : وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . ( 2 : 170 ) أبو حيّان : [ ذكر أقوال السّابقين ثمّ قال : ] وقيل : الحسنة والسّيّئة عامّان ، وهو الظّاهر ، وليسا مخصوصين بالكفر والإيمان ، ويكون وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ مخصوصا بمن أراد اللّه تعالى وقضى بمجازاته عليها ، ولم