مجمع البحوث الاسلامية

175

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

لموادّها والواضع لسنن الأسباب والمسبّبات فيها ، ويسند إلى الإنسان منها كلّ ماله فيه كسب وعمل اختياريّ ، سواء كان من الحسنات أو السّيّئات ، وقد مضى بهذا عرف النّاس وأيّدته نصوص الكتاب والسّنّة بمثل قوله تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ الأنعام : 160 ، فلماذا جعل هنا إصابة الحسنة من فضل اللّه تعالى مطلقا وإصابة السّيّئة من نفس الإنسان مطلقا ؟ فالجواب عن هذا : أنّ ما ذكر في السّؤال حقّ وما في الآية حقّ ، ولكلّ مقام مقال ، والمقام الّذي سيقت الآية له هو بيان أمرين : أحدهما : نفي الشّؤم والتّطيّر وإبطالهما ، ليعلم النّاس أنّ ما يصيبهم من السّيّئات لا يصيبهم بشؤم أحد يكون فيهم ، وكانوا يتشاءمون ويتطيّرون في الجاهليّة ، ولا يزال التّطيّر والتّشاؤم فاشيا في الجاهلين من جميع الشّعوب ، وهو من الخرافات الّتي يردّها العقل ، وقد أبطلها دين الفطرة . قال تعالى في آل فرعون : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ الأعراف : 131 ، فقد جعل التّطيّر من الجهل وفقد العلم بالحقائق . ثانيهما : أنّه ينبغي لم أصابته سيّئة أن يبحث عن سببها من نفسه ، ولا يكتفي بعدم إسنادها إلى شؤم غيره ممّن ليس له فيها عمل ولا كسب ، لأنّ السّيّئة تصيب الإنسان بما تقدّم شرحه آنفا من تقصيره وخروجه بجهله أو هواه عن سنّة اللّه في التماس المنفعة من أبوابها ، وإتّقاء المضارّ باتّقاء أسبابها ، لأنّ الأصل في نظام الفطرة البشريّة هو ما يجده الإنسان في نفسه من ترجيح الخير لها على الشّرّ ، والنّفع على الضّرّ ، وكون كلّ قوّة من قواه نافعة له إذا أحسن استعمالها ، وليس في أصل الفطرة سيّئة قطّ ، وإنّما الإنسان يقع في الضّرر غالبا بسوء الاستعمال ، وطلب ما لا تقتضيه الفطرة لولا جنايته عليها باجتهاده ، كالإفراط في اللّذّات ، والتّعب تنفر منه الفطرة ، فيحتال الإنسان عليها ويحمّلها ما لا تحمله بطبعها لولا ظلمه لها ، كاستعماله الأدوية لإثارة شهوة الطّعام والوقاع ، وعدم وقوفه فيهما عند حدّ الدّاعية الطّبيعيّة ، كأن لا يأكل إلّا إذا جاع من نفسه ، ولا يملأ بطنه من الطّعام بما يحمله على ذلك من الأدوية المقوّية والتّوابل المحرّضة ، فمصائب الإنسان من ظلمه وكسبه . لبّ هذه الحقيقة الثّانية الّتي علّمنا اللّه إيّاها وربّانا بها ، هو أنّ سننه تعالى في فطرة الإنسان ، كسننه في فطرة سائر الحيوان والنّبات ، ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ الملك : 3 ، كلّها مصادر للحسنات ، ليس فيها شيء سيّئ بطبعه ، ولكنّ الإنسان فضّل على غيره بما أوتي من الاستعداد للعلم ، ومن الإرادة والاختيار في العمل ، فإذا أحكم العلم وأحسن الاختيار مهتديا بسنن الفطرة وأحكام الشّريعة - وهي كلّها من عند اللّه ومن محض فضله ورحمته - كان مغمورا في الحسنات والخيرات ، وإذا قصّر في العلم وأساء الاختيار في استعمال قواه وأعضائه في غير ما يقتضيه نظام الفطرة وحاجة الطّبيعة ، وقع في الأمور الّتي تسوؤه ، فيجب