مجمع البحوث الاسلامية
172
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
بالمعاصي ، وهو لا ينافي قوله : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فإنّ الكلّ منه إيجادا وإيصالا ، غير أنّ الحسنة إحسان وامتحان ، والسّيّئة مجازاة وانتقام . قال اللّه تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ الشّورى : 30 . ( 1 : 437 ) نحوه شبّر . ( 2 : 72 ) الشّوكانيّ : هذا الخطاب إمّا لكلّ من يصلح له من النّاس أو لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تعريضا لأمّته ، أي ما أصابك من خصب ورخاء وصحّة وسلامة فمن اللّه بفضله ورحمته ، وما أصابك من جهد وبلاء وشدّة فمن نفسك بذنب أتيته ، فعوقبت عليه . وقيل : إنّ هذا من كلام الّذين لا يفقهون حديثا ، أي فيقولون : ما أصابك من حسنة فمن اللّه . وقيل : إنّ ألف الاستفهام مضمرة ، أي أفمن نفسك ؟ ومثله قوله تعالى : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ الشّعراء : 22 ، والمعنى : أو تلك نعمة ؟ ومثله قوله : فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي الأنعام : 77 ، أي أهذا ربّي ؟ وقد ورد في الكتاب العزيز ما يفيد مفاد هذه الآية ، كقوله تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ الشّورى : 30 ، وقوله : أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ آل عمران : 165 . ( 1 : 624 ) الآلوسيّ : قوله سبحانه : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وعلى ما ذكرنا - ولعلّه الأولى - يكون هذا بيانا للجواب المجمل المأمور به ، والخطاب فيه - كما قال الجبّائيّ . وروي عن قتادة - عامّ لكلّ من يقف عليه لا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، كقوله : إذا أنت أكرمت الكريم ملكته * وإن أنت أكرمت اللّئيم تمرّدا ويدخل فيه المذكورون دخولا أوّليّا ، وفي إجراء الجواب أوّلا على لسان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وسوق البيان من جهته تعالى ثانيا بطريق تلوين الخطاب ، والالتفات إيذان بمزيد الاعتناء به والاهتمام بردّ اعتقادهم الباطل وبزعمهم الفاسد ، والإشعار بأنّ مضمونه مبنيّ على حكمة دقيقة حريّة بأن يتولّى بيانها علّام الغيوب عزّ وجلّ ، والعدول عن خطاب الجميع ، كما في قوله تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ الشّورى : 30 ، للمبالغة في التّحقيق بقطع احتمال سببيّة بعضهم لعقوبة الآخرين ، و ( ما ) كما قال أبو البقاء : شرطيّة ، و ( أصاب ) بمعنى ( يصيب ) . والمراد : بالحسنة والسّيّئة هنا ما أريد بهما من قبل ، أي ما أصابك أيّها الإنسان من نعمة من النّعم فهي من اللّه تعالى بالذّات . [ وادام مثل أبي السعود إلى آخر حديث النّبيّ عليه السّلام ، ثمّ قال : ] وما أصابك من بليّة مّا من البلايا فهي بسبب اقتراف نفسك المعاصي والهفوات المقتضية لها ، وإن كانت من حيث الإيجاد منتسبة إليه تعالى ، نازلة من عنده عقوبة ، وهذا كقوله تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ وأخرج التّرمذيّ عن أبي موسى قال : « قال رسول اللّه : لا يصيب عبدا نكبة فما فوقها ، أو ما دونها إلّا بذنب وما يعفو اللّه