مجمع البحوث الاسلامية

154

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ النّمل : 90 ، وقوله : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ النّساء : 79 ، يعني ما عملت من ذنوب فعوقبت عليها في الدّنيا والآخرة ( فمن نفسك ) بأفعالك ، لأنّ السّارق يقطع والزّاني يجلد ويرجم ، والقاتل يقتل ، فقد سمّى اللّه تعالى العلل والخوف والشّدّة وعقوبات الذّنوب كلّها سيّئات ، فقال : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ بأعمالك . وقوله : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني الصّحّة والعافية والسّعة ، والسّيّئات الّتي هي عقوبات الذّنوب من عند اللّه . ( 1 : 144 ) عبد الجبّار : قالوا : ثمّ ذكر تعالى فيها ما يدلّ على أنّ الحسنات والسّيّئات من عنده ، فقال : وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ . . . والجواب عن ذلك : أنّ القضيّة واردة على أمر معلوم ، لأنّه تعالى حكى عن الكفّار أنّهم عند وقوع الحسنة والسّيّئة قالوا : إنّ الحسنة من عنده تعالى ، والسّيّئة من محمّد عليه السّلام ، وما هذا حاله لا يصحّ أن يدعى فيه العموم ، لأنّه لا يجوز في ذلك الواقع أن يكون إلّا على صفة واحدة . وبعد ، فإنّ الظّاهر من قوله : وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ . . . وقوله : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يدلّ على أنّ ذلك من فعل غيرهم فيهم ، لأنّ ما يختاره الإنسان لا يطلق ذلك فيه ، ويبيّن ذلك أنّه إن حمل على أفعال العباد أدّى إلى أنّ القوم كانوا يقولون : إنّ الحسنات من فعل اللّه تعالى وسيّئاتنا من فعل محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ! وليس هذا بمذهب لأحد لأنّه لا فرق بين إضافتهما إليه عليه السّلام فعلا ، وبين إضافتهما إلى غيره . ولو كان ذلك مذهبا لحكي ودوّن ، لأنّه قد حكي ما هو أخفى منه وأقلّ ، وكلّ ذلك يمنع من التّعلّق بظاهره . والمراد بذلك : ما قد حكي أنّهم كانوا يقولون إذا أصابهم الرّخاء والخصب والسّعة ، قالوا : هذه من اللّه ، وإذا لحقهم الشّدّة والقحط ، قالوا : إنّ هذا لشؤم محمّد ، حاشاه صلّى اللّه عليه وآله من ذلك ! فقال تعالى مكذّبا لهم : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لأنّ هذه الأمور من فعله تعالى يفعلها بحسب المصالح . وقد ذكر تعالى في قوم موسى صلّى اللّه عليه مثله ، فقال : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ الأعراف : 131 ، وقال تعالى مكذّبا لهم لذلك : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ الأعراف : 168 ، فبيّن في هذين الأمرين أنّه يفعله بلوى ومصلحة ، لكي يرجع العاصي ويقلع عن كفره ومعصيته . وما قلناه يدلّ على أنّ هذين قد يوصفان بالحسنة والسّيّئة ، فليس لأحد أن يدفع ذلك من حيث اللّغة ، فأمّا في الحقيقة فالسّيّئة لا تكون إلّا قبيحة ، كما يقولون في الشّرّ : إنّه لا يكون إلّا ضررا قبيحا ، لكنّه قد يجري على المضارّ من فعله تعالى ، على جهة المجاز . وقوله تعالى بعد ذلك : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ النّساء : 79 ، يدلّ ظاهره على أنّ العبد هو الفاعل للسّيّئات في الحقيقة ، لأنّه تعالى لو أوجدها وفعلها لم يكن يضيفها إلى نفس