مجمع البحوث الاسلامية
134
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الأوّل : قوله : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها مريم : 71 ، أثبت الورود وهو الدّخول ، فدلّ على أنّ هذا الإبعاد هو الإخراج . الثّاني : أنّ إبعاد الشّيء عن الشّيء لا يصحّ إلّا إذا كانا متقاربين ، لأنّهما لو كانا متباعدين استحال إبعاد أحدهما عن الآخر ، لأنّ تحصيل الحاصل محال . واحتجّ القاضي عبد الجبّار على فساد هذا القول الأوّل بأمور : أحدها : أنّ قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى يقتضي أنّ الوعد بثوابهم قد تقدّم في الدّنيا ، وليس هذا حال من يخرج من النّار لو صحّ ذلك . وثانيها : أنّه تعالى قال : أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ وكيف يدخل في ذلك من وقع فيها . وثالثها : قوله تعالى : لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها الأنبياء : 102 ، وقوله : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ الأنبياء : 103 ، يمنع من ذلك . والجواب عن الأوّل : لا نسلّم أن يقال : المراد من قوله : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى هو أنّ الوعد بثوابهم قد تقدّم ، ولم لا يجوز أنّ المراد من ( الحسنى ) تقدّم الوعد بالعفو . سلّمنا أنّ المراد من ( الحسنى ) تقدّم الوعد بالثّواب ، لكن لم قلتم : إنّ الوعد بالثّواب لا يليق بحال من يخرج من النّار ، فإنّ عندنا المحابطة باطلة ، ويجوز الجمع بين استحقاق الثّواب والعقاب . وعن الثّاني : أنّا بيّنّا أنّ قوله : أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يمكن إجراؤه على ظاهره إلّا في حقّ من كان في النّار . وعن الثّالث : أنّ قوله : لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها مخصوص بما بعد الخروج . أمّا قوله : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ فالفزع الأكبر هو عذاب الكفّار ، وهذا بطريق المفهوم يقتضي أنّهم يحزنهم الفزع الأصغر ، فإن لم يدلّ عليه فلا أقلّ من أن لا يدلّ على ثبوته ، ولا على عدمه . الوجه الثّاني « 1 » : في تفسير قوله : أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ أنّ المراد الّذين سبقت لهم منّا الحسنى لا يدخلون النّار ولا يقربونها ألبتّة ، وعلى هذا القول بطل قول من يقول : إنّ جميع النّاس يردون النّار ثمّ يخرجون إلى الجنّة ، لأنّ هذه الآية مانعة منه ، وحينئذ يجب التّوفيق بينه وبين قوله : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [ ثمّ أدام البحث في بقيّة الصّفات فلاحظ ، وستجيء كلّ صفة في محلّها ] ( 22 : 226 ) الشّربينيّ : أي الحكم بالموعدة البالغة في الحسن في الأزل . ( 2 : 531 ) أبو السّعود : أي سبقت لهم منّا في التّقدير الخصلة الحسنى الّتي هي أحسن الخصال وهي السّعادة ، وقيل : التّوفيق للطّاعة . أو سبقت لهم كلمتنا بالبشرى بالثّواب على الطّاعة . وهو الأدخل الأظهر في الحمل عليها لما أنّ الأوّلين مع خفائهما ليسا من مقدورات المكلّفين ، فالجملة مع ما بعدها تفصيل لما أجمل في قوله : فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ . . . الأنبياء : 94 . ( 4 : 359 ) نحوه البروسويّ ( 5 : 524 ) ، والآلوسيّ ( 17 : 97 ) ،
--> ( 1 ) والوجه الأوّل قوله : « فقال أهل العفو : معناه أولئك عنها مخرجون » .