مجمع البحوث الاسلامية

889

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ، المراد ب ( أهل الكتاب ) فيها : اليهود . ويؤيّده أيضا ما سبق في ( 3 ) من حسد جماعة من اليهود - ومنهم كعب بن الأشرف - النّبيّ عليه السّلام ، وكذا قوله تعالى : وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ آل عمران : 72 ، فإنّهم كما حكى الطّبرسيّ ( 4 : 460 ) عن الحسن والسّدّيّ كانوا اثني عشر رجلا من أحبار اليهود تواطؤا بذلك ليردّوا المسلمين عن دينهم . نعم جاء في البقرة بعد هذه الآية ذكر اليهود والنّصارى معا : وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى . . . البقرة : 111 ، و وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ . . . البقرة : 113 ، لكنّ الآيتين تحملان دواعي الفريقين فيما بينهما فحسب . 2 - قال رشيد رضا : « هذا بيان لما يضرونه وما تكنّه صدورهم للمسلمين من الحسد على نعمة الإسلام الّتي عرفوا أنّها الحقّ ، وأنّ وراءها السّعادة في الدّارين ، ولكنّهم شقّ عليهم أن يتبعوهم ، فتمنّوا أن يحرموا هذه النّعمة ، ويرجعوا كفّارا كما كانوا . وذلك شأن الحاسد يتمنّى أن يسلب محسوده النّعمة ، ولو لم تكن ضارّة به ، فكيف إذا كان يعلم أنّ تلك النّعمة إذا تمّت وثبتت يكون من أثرها سيادة المحسود عليه ، وإدخاله تحت سلطانه ، كما كان يتوقّع علماء يهود في عصر التّنزيل - إلى أن قال : - وفائدة هذا التّنبيه أو التّنبيهات أن يعلم المسلمون أنّ ما يبدو من أهل الكتاب أحيانا من إلقاء الشّبهة على الإسلام وتشكيك المسلمين فيه ، إنّما هو مكر السّوء يبعث عليه الحسد لا النّصح الّذي يبعث عليه الاعتقاد . وقال : حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ليبيّن أنّ حسدهم لم يكن عن شبهة دينيّة أو غيره على حقّ يعتقدونه ، وإنّما هو خبث النّفوس وفساد الأخلاق والجمود على الباطل وإن ظهر لصاحبه الحقّ ، ولذلك قفّاه بقوله : مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ . . . . 3 - قالوا في نصب ( حسدا ) إنّه مصدر لفعل محذوف ، أي يودّون لكم ذلك ويحسدونكم حسدا ، أو مفعول لأجله ل ( يودّون ) أي يودّون ذلك حسدا منهم - وهو الأقرب - أو حال منه ، أي يودّون ذلك حاسدين ، وهو أبعدها .