مجمع البحوث الاسلامية
881
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
عرفوه وكفروا به بعد معرفتهم إيّاه ، فقال تعالى : وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا * إلى قوله : أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً البقرة : 89 ، 90 ، أي حسدا وقالت صفيّة بنت حييّ للنّبيّ عليه السّلام : جاء أبي وعمّي من عندك ، فقال أبي لعمّي : ما تقول فيه ؟ قال : أقول : إنّه النّبيّ الّذي بشّر به موسى عليه السّلام . قال : فما ترى ؟ قال : أرى معاداته أيّام الحياة . فهذا حكم الحسد . أمّا المنافسة فليست بحرام ، وهي مشتقّة من النّفاسة ، والّذي يدلّ على أنّها ليست بحرام وجوه : أوّلها : قوله تعالى : وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ المطفّفين : 26 . وثانيها : قوله تعالى : سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ الحديد : 21 ، وإنّما المسابقة عند خوف الفوت ، وهو كالعبدين يتسابقان إلى خدمة مولاهما ؛ إذ يجزع كلّ واحد أن يسبقه صاحبه فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى هو بها . وثالثها : قوله عليه السّلام : « لا حسد إلّا في اثنتين : رجل آتاه اللّه مالا فأنفقه في سبيل اللّه ، ورجل آتاه اللّه علما فهو يعمل به ويعلّمه النّاس » . وهذا الحديث يدلّ على أنّ لفظ « الحسد » قد يطلق على المنافسة . ثمّ نقول : المنافسة قد تكون واجبة ومندوبة ومباحة : أمّا الواجبة فكما إذا كانت تلك النّعمة نعمة دينيّة واجبة كالإيمان والصّلاة والزّكاة ، فهاهنا يجب عليه أن يحبّ أن يكون له مثل ذلك ، لأنّه إن لم يحبّ ذلك كان راضيا بالمعصية وذلك حرام . وأمّا إن كانت تلك النّعمة من الفضائل المندوبة كالإنفاق في سبيل اللّه والتّشمير لتعليم النّاس ، كانت المنافسة فيها مندوبة . وأمّا إن كانت تلك النّعمة من المباحات ، كانت المنافسة فيها من المباحات ، وبالجملة فالمذموم أن يحبّ زوالها عن الغير ، فأمّا أن يحبّ حصولها له وزوال النّقصان عنه ، فهذا غير مذموم . لكن هاهنا دقيقة وهي : أنّ زوال النّقصان عنه بالنّسبة إلى الغير له طريقان : أحدهما : أن يحصل له مثل ما حصل للغير . والثّاني : أن يزول عن الغير ما لم يحصل له ، فإذا حصل اليأس عن أحد الطّريقين فيكاد القلب لا ينفكّ عن شهوة الطّريق الآخر . فهاهنا إن وجد قلبه بحيث لو قدر على إزالة تلك الفضيلة عن ذلك الشّخص لأزالها ، فهو صاحب الحسد المذموم . وإن كان يجد قلبه بحيث تردعه التّقوى عن إزالة تلك النّعمة عن الغير فالمرجوّ من اللّه تعالى أن يعفو عن ذلك . ولعلّ هذا هو المراد من قوله عليه السّلام : « ثلاث لا ينفكّ المؤمن عنهنّ : الحسد والظّنّ والطّيرة ، ثمّ قال : وله منهنّ مخرج إذا حسدت فلا تبغ » أي إن وجدت في قلبك شيئا فلا تعمل به . فهذا هو الكلام في حقيقة الحسد ، وكلّه من كلام الشّيخ الغزاليّ رحمة اللّه عليه . [ ثمّ ذكر كلام الغزاليّ المتقدّم ضمن المسألتين الثّالثة والرّابعة وأضاف : ] المسألة الخامسة : في سبب كثرة الحسد وقلّته وقوّته وضعفه . اعلم أنّ الحسد إنّما يكثر بين قوم تكثر فيهم الأسباب الّتي ذكرناها ؛ إذ الشّخص الواحد يجوز أن يحسد لأنّه يمتنع من قول المتكبّر ، ولأنّه يتكبّر ، ولأنّه