مجمع البحوث الاسلامية
845
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
النّفسانيّة الّتي هي مصادر الأفعال من الطّاعات والمعاصي ، وأنّ اللّه سبحانه وتعالى يحاسب الإنسان بها ، فتكون الآية في مساق قوله تعالى : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ البقرة : 225 ، وقوله تعالى : فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ البقرة : 283 ، وقوله تعالى : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا الإسراء : 36 ، فجميع هذه الآيات دالّة على أنّ للقلوب وهي النّفوس أحوالا وأوصافا يحاسب الإنسان بها ، وكذا قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ النّور : 19 ، فإنّها ظاهرة في أنّ العذاب إنّما هو على الحبّ الّذي هو أمر قلبيّ ، هذا . فهذا ظاهر الآية ويجب أن يعلم : أنّ الآية إنّما تدلّ على المحاسبة بما في النّفوس سواء أظهر أو أخفي . وأمّا كون الجزاء في صورتي الإخفاء والإظهار على حدّ سواء ، وبعبارة أخرى كون الجزاء دائرا مدار العزم ، سواء فعل أو لم يفعل ، وسواء صادف الفعل الواقع المقصود أو لم يصادف - كما في صورة التّجرّي مثلا - فالآية غير ناظرة إلى ذلك . وقد أخذ القوم في معنى الآية مسالك شتّى ، لمّا توهّموا أنّها تدلّ على المؤاخذة على كلّ خاطر نفسانيّ مستقرّ في النّفس أو غيره ، وليس إلّا تكليفا بما لا يطاق ، فمن ملتزم بذلك ومن مؤوّل يريد به التّخلّص . فمنهم من قال : إنّ الآية تدلّ على المحاسبة بكلّ ما يرد القلب ، وهو تكليف بما لا يطاق ، لكنّ الآية منسوخة بما يتلوها من قوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها الآية . وفيه : أنّ الآية غير ظاهرة في هذا العموم كما مرّ ، على أنّ التّكليف بما لا يطاق غير جائز بلا ريب ، على أنّه تعالى يخبر بقوله : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ الحجّ : 78 ، بعدم تشريعه في الدّين ما لا يطاق . ومنهم من قال : إنّ الآية مخصوصة بكتمان الشّهادة ومرتبطة بما تقدّمتها من آية الدّين المذكورة فيها ، وهو مدفوع بإطلاق الآية ، كقول من قال : إنّها مخصوصة بالكفّار . ومنهم من قال : إنّ المعنى : إن تبدوا بأعمالكم ما في أنفسكم من السّوء ، بأن تتجاهروا وتعلنوا بالعمل أو تخفوه ، بأن تأتوا الفعل خفية ، يحاسبكم به اللّه . ومنهم من قال : إنّ المراد بالآية : مطلق الخواطر إلّا أنّ المراد بالمحاسبة : الإخبار ، أي جميع ما يخطر ببالكم سواء أظهرتموها أو أخفيتموها ، فإنّ اللّه يخبركم به يوم القيامة ، فهو في مساق قوله تعالى : فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ المائدة : 105 ، ويدفع هذا وما قبله بمخالفة ظاهر الآية ، كما تقدّم . ( 2 : 436 ) مكارم الشّيرازيّ : الذّنوب الّتي يرتكبها الإنسان بعضها ذات طابع خارجيّ وبعضها باطنيّ قلبيّ ، مثل كتمان الشّهادة ، ومثل الشّرك . تشير هذه الآية إلى أنّ اللّه لا يحاسب على الذّنوب الظّاهرة فحسب ، بل أنّه يحاسب على الذّنوب الباطنيّة أيضا ، لأنّه هو الحاكم على العالم بأرضه وسماواته ، ولا يخفى عليه شيء . إنّ الّذي لا يحاسب على الذّنوب الباطنيّة هو الّذي لا علم له بأسرار السّماوات والأرض وظاهر العالم وباطنه ، لا اللّه