مجمع البحوث الاسلامية

843

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

علامات النّفاق ؟ » فأخبرهم اللّه تعالى بأنّه : لا يكلّف نفسا إلّا وسعها ولا يؤاخذها إلّا على ما كلّفها ، فهم مكلّفون بتزكية أنفسهم ومجاهدتها بقدر الاستطاعة والطّاقة ، وطلب العفو عمّا لا طاقة لهم به ، كما سيأتي تفصيله . ولا يبعد أن يكون بعضهم قد خاف أن تدخل الوسوسة والشّبهة قبل التّمكّن من دفعها في عموم الآية ، فكان ما بعدها مبيّنا لغلطهم في ذلك . وأمّا تسمية بعضهم ذلك نسخا فقد أجاب عنه بعض المفسّرين : بأنّه عبّر بالنّسخ عن البيان والإيضاح تجوّزا ، ولك أن تقول : إنّ المراد به النّسخ اللّغويّ ، وهو الإزالة والتّحويل لا الاصطلاحيّ ، أي إنّ الآية الثّانية كانت مزيلة لما أخافهم من الأولى ، أو محوّلة له إلى وجه آخر . ويحتمل أن يكون الصّحابيّ لم ينطق بلفظ النّسخ وإنّما فهمه الرّاوي من القصّة فذكره . وكثيرا ما يروون الأحاديث المرفوعة بالمعنى على أنّه ليس من النّصّ المرفوع ، ورأي الصّحابيّ ليس بحجّة عند الجماهير ، لا سيّما إذا خالف ظاهر الكتاب . وإنّني لا أعتقد صحّة سند حديث ولا قول عالم صحابيّ يخالف ظاهر القرآن ، وإن وثقوا رجاله فربّ راو يوثق للاغترار بظاهر حاله ، وهو سيّئ الباطن ، ولو انتقدت الرّوايات من جهة فحوى متنها كما تنتقد من جهة سندها ، لقضت المتون على كثير من الأسانيد بالنّقض . وقد قالوا : إنّ من علامة الحديث الموضوع : مخالفته لظاهر القرآن ، أو القواعد المقرّرة في الشّريعة ، أو للبرهان العقليّ ، أو للحسّ والعيان وسائر اليقينيّات . أمّا إبداء ما في النّفس ، فهو إظهاره بالقول أو بالفعل ، وأمّا إخفاؤه فهو ضدّه ، والإبداء والإخفاء سيّان عند اللّه تعالى ، لأنّه يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ المؤمن : 19 ، فالمدار في مرضاته على تزكية النّفس وطهارة السّريرة ، لا على لوك اللّسان وحركات الأبدان . وأمّا المحاسبة فهي على ظاهرها وإن فسّرها بعض بالعلم وبعض بالجزاء الّذي هو غبّها ولازمها ، ذلك أنّ للنّفوس في اعتقاداتها وملكاتها وعزائمها وإرادتها موازين يعرف بها يوم الدّين رجحان الحقّ والخير أو الباطل والشّرّ ، هي أدقّ ممّا وضع البشر من موازين الأعيان وموازين الأعراض كالحرّ والبرد وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ الأنبياء : 47 . ( 3 : 137 ) ابن عاشور : عطف قوله : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ بالواو دون « الفاء » للدّلالة على أنّ الحكم الّذي تضمّنه مقصود بالذّات ، وأنّ ما قبله كالتّمهيد له . ويجوز أن يكون قوله : وَإِنْ تُبْدُوا . . . عطفا على قوله : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ البقرة : 283 ، ويكون قوله : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ اعتراضا بينهما . وإبداء ما في النّفس : إظهاره ، وهو إعلانه بالقول فيما سبيله القول ، وبالعمل فيما يترتّب عليه عمل ، وإخفاؤه بخلاف ذلك . وعطف أَوْ تُخْفُوهُ للتّرقّي في الحساب عليه ، فقد جاء على مقتضى الظّاهر في عطف الأقوى