مجمع البحوث الاسلامية
838
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ البقرة : 225 ، وقال في آخر هذه السّورة : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ البقرة : 286 وقال : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا النّور : 19 ، هذا هو الجواب المعتمد . والوجه الثّاني : أنّ كلّ ما كان في القلب ممّا لا يدخل في العمل فهو في محلّ العفو ، وقوله : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فالمراد منه : أن يدخل ذلك العمل في الوجود : إمّا ظاهرا ، وإمّا على سبيل الخفية ، وأمّا ما يوجد في القلب من العزائم والإرادات ولم يتّصل بالعمل ، فكلّ ذلك في محلّ العفو . وهذا الجواب ضعيف ، لأنّ أكثر المؤاخذات إنّما تكون بأفعال القلوب . ألا ترى أنّ اعتقاد الكفر والبدع ليس إلّا من أعمال القلوب ، وأعظم أنواع العقاب مرتّب عليه ، وأيضا فأفعال الجوارح إذا خلت عن أفعال القلوب لا يترتّب عليها عقاب كأفعال النّائم والسّاهي ، فثبت ضعف هذا الجواب . والوجه الثّالث في الجواب : أنّ اللّه تعالى يؤاخذ لها لكن مؤاخذتها هي الغموم والهموم في الدّنيا . روى الضّحّاك عن عائشة رضي اللّه عنها أنّها قالت : ما حدّث العبد به نفسه من شرّ ، كانت محاسبة اللّه عليه بغمّ يبتليه به في الدّنيا أو حزن أو أذى ، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ، ولم يعاقب عليه . وروت أنّها سألت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن هذه الآية ، فأجابها بما هذا معناه . فإن قيل : المؤاخذة كيف تحصل في الدّنيا مع قوله تعالى : الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ المؤمن : 17 ؟ قلنا : هذا خاصّ فيكون مقدّما على ذلك العامّ . الوجه الرّابع في الجواب : أنّه تعالى قال : يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ولم يقل : يؤاخذكم به اللّه . وقد ذكرنا في معنى كونه حسيبا ومحاسبا وجوها كثيرة ، وذكرنا أنّ من جملة تفاسيره كونه تعالى عالما بها ، فرجع معنى هذه الآية إلى كونه تعالى عالما بكلّ ما في الضّمائر والسّرائر . روي عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما أنّه قال : إنّ اللّه تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان في نفوسهم ، فالمؤمن يخبره ثمّ يعفو عنه ، وأهل الذّنوب يخبرهم بما أخفوا من التّكذيب والذّنب . والوجه الخامس في الجواب : أنّه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله : فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ البقرة : 284 ، فيكون الغفران نصيبا لمن كان كارها لورود تلك الخواطر ، والعذاب يكون نصيبا لمن يكون مصرّا على تلك الخواطر مستحسنا لها . الوجه السّادس : قال بعضهم : المراد بهذه الآية : كتمان الشّهادة ، وهو ضعيف ، لأنّ اللّفظ عامّ ، وإن كان واراه عقيب تلك القضيّة لا يلزم قصره عليه . الوجه السّابع في الجواب : ما روينا عن بعض المفسّرين أنّ هذه الآية منسوخة بقوله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وهذا أيضا ضعيف لوجوه : أحدها : أنّ هذا النّسخ إنّما يصحّ لو قلنا : إنّهم كانوا قبل هذا النّسخ مأمورين بالاحتراز عن تلك الخواطر ، الّتي كانوا عاجزين عن دفعها ، وذلك باطل ، لأنّ التّكليف قطّ ما ورد إلّا بما في القدرة ، ولذلك قال عليه السّلام :