مجمع البحوث الاسلامية

789

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الخلق ، ولكنّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السّماء ، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة فيهما ، ثمّ هو مجاز عباده على كلّ ذلك ، فلذلك جلّ ذكره امتدح بسرعة الحساب ، وأخبر خلقه أنّه ليس لهم بمثل ، فيحتاج في حسابه إلى عقد كفّ أو وعي صدر . ( 2 : 302 ) الزّجّاج : المعنى أنّه قد علم ما للمحاسب وما عليه قبل توقيفه على حسابه ، فالفائدة في الحساب : علم حقيقته . وقد قيل في بعض التّفسير : إنّ حساب العبد أسرع من لمح البصر ، واللّه أعلم . ( 1 : 275 ) نحوه النّحّاس . ( 1 : 144 ) الشّريف المرتضى : إن سأل سائل عن قوله تعالى : وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ فقال : أيّ تمدّح في سرعة الحساب ، وليس بظاهر وجه المدحة فيه ؟ الجواب : قلنا : في ذلك وجوه : أوّلها : أن يكون المعنى أنّه سريع المجازاة للعباد على أعمالهم ، وأنّ وقت الجزاء قريب وإن تأخّر ، ويجري مجرى قوله تعالى : وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ النّحل : 77 . وإنّما جاز أن يعبّر عن المجازاة أو الجزاء بالحساب ، لأنّ ما يجازى به العبد هو كفء لفعله ولمقداره ، فهو حساب له إذا كان مماثلا مكافئا . وممّا يشهد بأنّ في الحساب معنى الكفاية والمكافأة قوله تعالى : جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً النّبأ : 36 ، أي عطاء كافيا ، ويقال : أحسبني الطّعام يحسبني إحسابا ، إذا كفاني . [ ثمّ استشهد بشعر ] وثانيها : أن يكون المراد أنّه عزّ وجلّ يحاسب الخلق جميعا في أوقات يسيرة ، ويقال : إنّ مقدار ذلك مقدار حلب شاة ، لأنّه تعالى لا يشغله محاسبة بعضهم عن محاسبة غيره ، بل يكلّمهم جميعا ويحاسبهم كلّهم على أعمالهم في وقت واحد . وهذا أحد ما يدلّ على أنّه تعالى ليس بجسم ، وأنّه لا يحتاج في فعل الكلام إلى آلة ، لأنّه لو كان بهذه الصّفات - تعالى عنها - لما جاز أن يخاطب اثنين في وقت واحد بمخاطبتين مختلفتين ، ولكان خطاب بعض النّاس يشغله عن خطاب غيره ، ولكانت مدّة محاسبته للخلق على أعمالهم طويلة غير قصيرة ، كما أنّ جميع ذلك واجب في المحدثين الّذين يفتقرون في الكلام إلى الآلات . وثالثها : ما ذكره بعضهم من أنّ المراد بالآية أنّه سريع العلم بكلّ محسوب ، وأنّه لمّا كانت عادة بني الدّنيا أن يستعملوا الحساب والإحصاء في أكثر أمورهم ، أعلمهم اللّه تعالى أنّه يعلم ما يحسبون بغير حساب ، وإنّما سمّي العلم حسابا ، لأنّ الحساب إنّما يراد به العلم . وهذا جواب ضعيف ؛ لأنّ العلم بالحساب أو المحسوب لا يسمّى حسابا ، ولو سمّي بذلك لما جاز أيضا أن يقال : إنّه سريع العلم بكذا ، لأنّ علمه بالأشياء ممّا لا يتجدّد فيوصف بالسّرعة . ورابعها : أنّ اللّه تعالى سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم ؛ وذلك أنّه يسأل في وقت واحد سؤالات مختلفة ، من أمور الدّنيا والآخرة ، فيجزي كلّ عبد بمقدار استحقاقه ومصلحته ، فيوصل إليه عند دعائه ومسألته ما يستوجبه بحدّ ومقدار . فلو كان الأمر على ما يتعارفه النّاس لطال العدد واتّصل الحساب ، فأعلمنا تعالى أنّه