مجمع البحوث الاسلامية
761
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
خلافه في كلامهم نحو : عطشان وريّان . فأمّا استعمالهم إيّاه استعمال العلم ، فهو أنّهم قد أجابوه بجواب القسم ، حكى سيبويه : ظننت ليسبقنّني . وقيل في قوله : وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ فصّلت : 48 : إنّ النّفي جواب للظّنّ ، كما كان جوابا ل ( علمت ) في قوله : لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ الإسراء 102 ، فكلتا القراءتين في قوله : وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ ، وكلا الأمرين قد جاء به التّنزيل . فمثل قول من نصب فقال : ( ان لا تكون ) قوله : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا العنكبوت : 4 ، أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ الجاثية : 21 ، أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا العنكبوت : 2 . ومثل قراءة من رفع : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ الزّخرف : 80 ، أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ المؤمنون : 55 ، أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ القيمة : 3 ، فهذه مخفّفة من الشّديدة . ومثل ذلك في الظّنّ قوله : تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ القيمة : 25 ، وقوله : إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ البقرة : 230 . وفي الرّفع قوله : وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً الجنّ : 5 ، وقوله : وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً الجنّ : 7 . ف « ان » هاهنا المخفّفة من الشّديدة ، لأنّ النّاصبة للفعل لا يقع بعدها « لن » لاجتماع الحرفين في الدّلالة على الاستقبال ، كما لم تجتمع النّاصبة مع السّين ، ولم يجتمعا كما لا يجتمع الحرفان لمعنى واحد ، فمن ثمّ كانت ( ان ) في قوله تعالى : عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى المزّمّل : 20 ، المخفّفة من الشّديدة ، ومن ذلك قوله : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ يونس : 22 . فأمّا قوله : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ البقرة : 46 ، فالظّنّ هاهنا علم ، وكذلك قوله : إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ الحاقّة : 20 . وقال سيبويه : لو قلت على جهة المشورة : « ما أعلم إلّا أن تدعه » لنصبت ، وهذا لأنّ المشورة أمر غير مستقرّ ، ولا متيقّن من المشير ، فصار بمنزلة الأفعال الدّالّة على خلاف الثّبات والاستقرار . وحسن وقوع المخفّفة من الشّديدة في قول من رفع ، وإن كان بعدها فعل لدخول « لا » وكونها عوضا من حذف الضّمير معه ، وإيلائه ما لم يكن يليه . ولو قلت : علمت أن تقول ، لم يحسن حتّى تأتي بما يكون عوضا ، نحو : قد ، ولا ، والسّين ، وسوف ، كما قال : عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى المزّمّل : 20 ، فإن قلت : فقد جاء : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى النّجم : 39 ، فلم يدخل بين ( أن وليس ) شيء . فإنّما جاء هذا لأنّ ( ليس ) ليس بفعل على الحقيقة . ( 3 : 247 ) نحوه ابن الجوزيّ ( 2 : 400 ) ، والنّيسابوريّ ( 7 : 5 ) . الميبديّ : ظنّوا أن لا يبتلوا ولا يعذّبهم اللّه . ( 3 : 185 ) الزّمخشريّ : فإن قلت : كيف دخل فعل الحسبان على ( ان ) الّتي للتّحقيق ؟ قلت : نزّل حسابهم لقوّته في صدورهم منزلة العلم .