مجمع البحوث الاسلامية

738

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ التّوبة : 91 ، 92 ، أي ليس على الضّعفاء والمرضى والّذين لا يجدون ما ينفقون حرج في قعودهم عن القتال ، فهم محسنون ، وليس على المحسنين من سبيل ، ويشملهم عفو اللّه ورحمته . وقد أدان اللّه قبلها وبعدها القاعدين والمعتذرين الّذين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ، فلا حظ . وكما قارن ( حزنا ) في الجماعة الكافرة ب ( عدوّا ) تشديدا وإنهاء بالحزن ، قارنه في الجماعة المؤمنة ب وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ، إعلاما بأنّ فيضان دمعهم يحكي عن فيضان قلوبهم بالمشاركة مع النّبيّ سماحة منهم في القتال ، لكنّهم - مع الأسف - حرموا ، فكانت قلوبهم مليئة بالحزن ، وعيونهم فائضة بالدّمع ، والدّمع ينبع عن حزن القلب أو شوقه ، يجري على ظاهر الخدّ ، ليكون شاهد صدق على ما جرى في باطن القلب . ونحن نغتنم الفرصة هنا للتّنبيه على نكات : الأولى : ينبغي مقارنة نفسيّة في الآيتين بين أعداء اللّه الكفرة ، الطّغاة على خلقه ، كفرعون وهامان وجنودهما ، وبين أولياء اللّه وأحبّائه المؤمنين المخلصين . فتلك جماعة أشقياء ، تقتل النّفوس المحرّمة حتّى الأطفال ، إبقاء على حياتهم الخبيثة الظّالمة ، حتّى كاد فرعون وأعوانه الأشقياء أن يقتلوا الطّفل الرّضيع - لولا شفاعة امرأته المؤمنة بعاطفتها الطّيّبة : وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ . . . - من غير أن ينعطفوا إلى ما جرى على فؤاد أمّه من الحزن وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ القصص : 10 ، 11 . وهذه جماعة سعداء تضحّي نفوسها الطّيّبة وتستقبل الموت في سبيل نجاة خلق اللّه عن ورطة الضّلالة إلى الصّراط المستقيم صراط اللّه ، حبّا للخلق والخالق إلى حدّ تتلاشى قلوبهم حزنا ، وتتفجّر عيونهم دمعا ، حين لم يتمكّنوا من الفداء والتّضحية . فجازى اللّه الفريقين بما يوافق نفوسهم ، ووصفهم بما ينطوي عليه قلوبهم ، فقال فيهما ما تلوناه عليك من المدح والذّمّ والإدانة والإطراء . الثّانية : قارن نفوس هؤلاء المؤمنين الفقراء وتلك المنافقين الألدّاء حول النّبيّ في غزوة تبوك ، وقد وصف اللّه الفريقين معا في سورة التّوبة النّازلة قبيل رحيل النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، تاركا هذه الحياة إلى الملكوت الأعلى . وكلا الفريقين كان باقيا بعده بين المسلمين بكثرة هائله ، وكان لهما دور في كثير من الأحداث ، فلا تظنّنّ أنّ المؤمنين المخلصين انحرفوا وارتدّوا إلّا القليل القليل . فأين الّذين رفعوا راية الإسلام على أكتافهم جهادا وتضحية وفداء في سبيل اللّه في شرق العالم وغربه ؟ وأين الّذين نشروا الأكاذيب بشأن القرآن وتحريفه ، وبشأن النّبيّ وأنصاره ، وبشأن أهل بيته من هذين الفريقين ؟ والتّفصيل في ( المهاجرين والأنصار ) فانتظر . الثّالثة : التّدبّر في الآيات بما تحتوي من النّكات ، أهمّ