مجمع البحوث الاسلامية

711

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الدّنيا ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما فاتهم منها ، ويحتمل أنّ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يوم القيامة ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فيه ، ويحتمل أن يريد أنّه يدخلهم الجنّة حيث لا خوف ولا حزن . ( 1 : 132 ) نحوه الثّعالبيّ ( 1 : 68 ) الطّبرسيّ : فلا يلحقهم خوف من أهوال يوم القيامة من العقاب ولا هم يحزنون على فوات الثّواب ، فأمّا الخوف والحزن في الدّنيا فإنّه يجوز أن يلحقهم ، لأنّ من المعلوم أنّ المؤمنين لا ينفكّون منه . ( 1 : 91 ) ابن الجوزيّ : والمعنى : فلا خوف عليهم فيما يستقبلون من العذاب ، ولا هم يحزنون عند الموت . والخوف لأمر مستقبل ، والحزن لأمر ماض . ( 1 : 71 ) الفخر الرّازيّ : وجمع قوله : فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ جميع ما أعدّ اللّه تعالى لأوليائه ، لأنّ زوال الخوف يتضمّن السّلامة من جميع الآفات ، وزوال الحزن يقتضي الوصول إلى كلّ اللّذّات والمرادات ، وقدّم عدم الخوف على عدم الحزن لأنّ زوال ما لا ينبغي مقدّم على طلب ما ينبغي ، وهذا يدلّ على أنّ المكلّف الّذي أطاع اللّه تعالى لا يلحقه خوف في القبر ، ولا عند البعث ، ولا عند حضور الموقف ، ولا عند تطاير الكتب ، ولا عند نصب الموازين ، ولا عند الصّراط ، كما قال اللّه تعالى : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ الأنبياء : 103 ، وقال قوم من المتكلّمين : إنّ أهوال القيامة كما تصل إلى الكفّار والفسّاق تصل أيضا إلى المؤمنين لقوله تعالى : يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ الحجّ : 2 ، وأيضا فإذا انكشفت تلك الأهوال وصاروا إلى الجنّة ورضوان اللّه صار ما تقدّم كأن لم يكن ، بل ربّما كان زائدا في الالتذاذ بما يجده من النّعيم . وهذا ضعيف ، لأنّ قوله : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ أخصّ من قوله : يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ والخاصّ مقدّم على العامّ . [ ثمّ نقل كلام ابن زيد وقال : ] فإن قيل : قوله : فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يقتضي نفي الخوف والحزن مطلقا في الدّنيا والآخرة ، وليس الأمر كذلك ، لأنّهما حصلا في الدّنيا للمؤمنين أكثر من حصولهما لغير المؤمنين . قال عليه الصّلاة والسّلام : « خصّ البلاء بالأنبياء ثمّ الأولياء ثمّ الأمثل فالأمثل » . وأيضا فالمؤمن لا يمكنه القطع أنّه أتى بالعبادات كما ينبغي ، فخوف التّقصير حاصل ، وأيضا فخوف سوء العاقبة حاصل . قلنا : قرائن الكلام تدلّ على أنّ المراد نفيهما في الآخرة لا في الدّنيا ، ولذلك حكى اللّه عنهم أنّهم قالوا حين دخلوا الجنّة : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ فاطر : 34 ، أي أذهب عنّا ما كنّا فيه من الخوف والإشفاق في الدّنيا من أن تفوتنا كرامة اللّه تعالى الّتي نلناها الآن . ( 3 : 27 ) ابن عربيّ : والهدى : هو الشّرع ، فمن تبعه أمن سوء العاقبة فلم يخف ممّا يأتي من العقاب والفناء ، وتسلّى عن الشّهوات واللّذّات ، فلم يحزن على ما فاته من حطام الدّنيا ونعيمها ، لاكتحال بصيرته بنور المتابعة ، واهتدائه إلى ما لا يقاس بلذّات الدّنيا من الأذواق