مجمع البحوث الاسلامية
693
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
والعجب من الطّبريّ وغيره أنّهم عمّموا وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ لجميع أهل الملل وأهل الأديان أو خصّوها بكفّار قريش ، أو أحزاب الجاهليّة ، أو اليهود والنّصارى والمجوس عامّة . وهذا بعيد جدّا فأنّ هؤلاء جميعا أنكروا النّبيّ والقرآن رأسا لا بعضا . وقريب ممّا اخترناه من أنّ أهل الكتاب أنكروا بعض ما أنزل عليه في أوّل الأمر وأيّدوا بعضه ، قول الطّباطبائيّ : « إنّ اللّام في ( الأحزاب ) للعهد والمراد بهم : من أنكر التّوحيد من أهل الكتاب ، وقال بالتّثليث » ، وقول فضل اللّه : « إنّ هؤلاء الّذين ينكرون التّوحيد بمعناه القرآنيّ ويلتزمون بالتّثليث ، ويمتنعون عن الإيمان بالإسلام انطلاقا من الحالة الحزبيّة » . والآيتان ( 11 و 12 ) صريحتان في تحزّب أهل الكتاب واختلافهم في معتقداتهم ، ولا سيّما النّصارى فهما شاهدتان لما قلناه في ( 13 ) . الصّنف الثّالث : كفّار قريش وسائر الملل الكافرة في أربع آيات : ( 14 - 17 ) فجاء في ( 14 ) ردّا على الّذين كذّبوا بالقرآن أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ والآية مكّيّة ، والّذين كانوا يكفرون بالقرآن حين ذاك هم كفّار قريش دون أهل الكتاب ، واختاره الزّمخشريّ وغيره . ولكنّ بعضهم عمّمها لجميع الكفّار من أهل الملل وقال : إنّ كلّ جماعة كافرة حزب ، وبعضهم خصّها باليهود والنّصارى . وهذا أبعد الوجوه ، لأنّ الإسلام لم يواجههم في مكّة ولم يكن مخالفوه منحصرين بهم فيما بعد ، وبعضهم خصّها بأشخاص من قريش : ابن أميّة وابن المغيرة وغيرهما . ولو عمّمناها لكلّ من كذّب القرآن وخاصم النّبيّ عليه السّلام حين نزولها ، ومن بعدهم من أهل الملل - ومنهم أهل الكتاب - لم يكن بعيدا ، وإليه ذهب الطّبرسيّ وغيره . والمراد ب فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ النّبيّ ، والبيّنة هو القرآن - لاحظ البيّنة - ويشهد به أنّه جاء في آية قبلها بشأن القرآن : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ هود : 13 ، 14 . وجاء في ( 15 ) ردّا على منكر القرآن أيضا : جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ والسّورة مكّيّة أيضا ، وقبلها يتحدّث عن الّذين كانوا يكذّبون بالقرآن من أهل مكّة ، ابتداء ب ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ إلى أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا إلى فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ ، ثمّ وصفهم ب جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ ، ثمّ عقّبها ب كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ إلخ . وبذلك يتيسّر لنا أن نقول : المراد بالأحزاب فيها كفّار قريش الّذين كانوا يكذّبون بالقرآن ، وشبّههم اللّه بمن كان قبلهم من قوم نوح ومن بعدهم ، واختاره