مجمع البحوث الاسلامية

628

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وبالجملة الأخبار متعارضة ، وقد سمعت ما قيل فيها ، لكن قال الخفاجيّ : قال النّوويّ في شرح مسلم : الصّحيح أنّ الآية في قصّة العسل لا في قصّة مارية المرويّة في غير الصّحيحين ، ولم تأت قصّة مارية في طريق صحيح . ثمّ قال الخفاجيّ نقلا عنه أيضا : الصّواب أنّ شرب العسل كان عند زينب رضي اللّه تعالى عنها . وقال الطّيّبيّ فيما نقلناه عن « الكشّاف » : ما وجدته في الكتب المشهورة ، واللّه أعلم . ( 28 : 147 ) القاسميّ : والمراد بتحريمه ما أحلّ له : امتناعه منه ، وحظره إيّاه على نفسه . وهذا المقدار مباح ، ليس في ارتكابه جناح ، وإنّما قيل له : لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ؟ رفقا به وشفقة عليه وتنويها لقدره ولمنصبه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أن يراعي مرضاة أزواجه بما يشقّ عليه ، جريا على ما ألف من لطف اللّه تعالى بنبيّه ، ورفعه عن أن يحرج بسبب أحد من البشر الّذين هم أتباعه ومن أجله خلقوا ، ليظهر اللّه كمال نبوّته بظهور نقصانهم عنه ، كما أفاده « النّاصر » . تنبيهان : الأوّل : للأثريّين في هذا الّذي حرّمه صلوات اللّه عليه على نفسه روايات . [ ونقلها ثمّ قال : ] والّذي يظهر لي ، هو ترجيح روايات تحريم الجارية في سبب نزولها ؛ وذلك لوجوه : منها : أنّ مثله يبتغي به مرضاة ا الضّرّات ويهتمّ به لهنّ . ومنها : أنّ روايات شرب العسل لا تدلّ على أنّه حرّمه ابتغاء مرضاتهنّ ، بل فيه أنّه حلف لا يشربه أنفة من ريحه ، ثمّ رغب إلى عائشة أن لا تحدّث صاحبته به شفقة عليها ، إلّا أن يكنّ عاتبنه في ذلك ، ولم يحتمل لطف مزاجه الكريم ذلك فحرّمه ، ولكن ليس في الرّواية ما يشعر به ، وما زاد على ذلك فمن اجتهاد الرّواة . ومنها : أنّ الاهتمام بإنزال سورة على حدة لتقريع أزواجه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتأديبهنّ في المظاهرة عليه ، وإيعادهنّ على الإصرار على ذلك بالاستبدال بهنّ ، وإعلامهنّ برفعة مقامه ، وأنّ ظهراءه مولاه وجبريل والملائكة والمؤمنون ، كلّ ذلك يدلّ على أنّ أمرا عظيما دفعهنّ إلى تحريمه ما حرّم ، وما هو إلّا الغيرة من مثل ما روي في شأن الجارية ، فإنّ الأزواج يحرصن أشدّ الحرص على ما يقطع وصلة الضّرّة الضّعيفة ويبترها من عضو الزّوجيّة ، هذا ما ظهر لي الآن . وأمّا تخريج رواية العسل في هذه الآية ، وقول بعض السّلف نزلت فيه ، فالمراد منه : أنّ الآية تشمل قصّته بعمومها ، على ما عرف من عادة السّلف في قولهم : نزلت في كذا ، كما نبّهنا عليه مرارا . وكأنّه عليه السّلام كان حرّم ذلك الشّراب ، ثمّ أخبر الرّواة بأنّ مثله فرضت فيه التّحلّة ، فلا مانع من العود إلى شربه ، واللّه أعلم . الثّاني : في « الإكليل » : استدلّ بها على أنّ من حرّم على نفسه أمة أو طعاما أو زوجة ، لم تحرم عليه ، وتلزمه كفّارة يمين . ( 16 : 5852 ) المراغيّ : أي يا أيّها النّبيّ لم تمتنع عن شرب العسل الّذي أحلّه اللّه لك ، تلتمس بذلك رضا أزواجك ؟ وهذا عتاب من اللّه على فعله ذلك ، لأنّه لم يكن عن باعث مرضيّ ، بل كان طلبا لمرضاة الأزواج . وفي هذا تنبيه إلى أنّ ما صدر منه لم يكن ممّا ينبغي لمقامه الشّريف أن يفعله . ( 28 : 156 )