مجمع البحوث الاسلامية
621
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
إمّا رسول أنفسهم الّذي قالوا بنبوّته ، كموسى عليه السّلام بالنّسبة إلى اليهود ، وعيسى عليه السّلام بالنّسبة إلى النّصارى ، فالمعنى لا يحرّم كلّ أمّة منهم ما حرّمه عليهم رسولهم الّذي قالوا بنبوّته ، واعترفوا بحقّانيّته ، وفي ذلك نهاية التّجرّؤ على اللّه ورسوله ، واللّعب بالحقّ والحقيقة . وإمّا النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله الّذي يجدونه مكتوبا عندهم في التّوراة والإنجيل ، يحلّ لهم الطّيّبات ويحرّم عليهم الخبائث ، ويضع عنهم إصرهم والأغلال الّتي كانت عليهم . ويكون حينئذ توصيفهم بعدم تحريمهم ما حرّم اللّه ورسوله بغرض تأنيبهم والطّعن فيهم ، ولبعث المؤمنين وتهييجهم على قتالهم ، لعدم اعتنائهم بما حرّمه اللّه ورسوله في شرعهم ، واسترسالهم في الوقوع في محارم اللّه وهتك حرماته . وربّما أيّد هذا الاحتمال أن لو كان المراد بقوله : ( ورسوله ) رسول كلّ أمّة بالنّسبة إليها ، كموسى بالنّسبة . إلى اليهود ، وعيسى بالنّسبة إلى النّصارى ، كان من حقّ الكلام أن يقال : « ولا يحرّمون ما حرّم اللّه ورسله » على ما هو دأب القرآن في نظائره ، للدّلالة على كثرة الرّسل ، كقوله : وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ النّساء : 150 ، وقوله : قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ إبراهيم : 10 ، وقوله : وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يونس : 13 . على أنّ النّصارى رفضوا محرّمات التّوراة والإنجيل ، فلم يحرّموا ما حرّم موسى وعيسى عليهما السّلام ، وليس من حقّ الكلام في مورد هذا شأنه أنّهم لا يحرّمون ما حرّم اللّه ورسوله . ( 9 : 239 ) يحرّمونه . . . الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ . . . التّوبة : 37 ابن عبّاس : ( يحرّمونه ) يعني المحرّم . ( 157 ) إذا قاتلوا فيه أحلّوه ، وحرّموا مكانه صفرا ، وإذا لم يقاتلوا فيه حرّموه . ( الواحديّ 2 : 495 ) مثله الميبديّ ( 4 : 130 ) ، ونحوه الزّجّاج ( 2 : 447 ) . الطّبرسيّ : أي يجعلون الشّهر الحرام حلالا إذا احتاجوا إلى القتال فيه ، ويجعلون الشّهر الحلال حراما ، ويقولون : شهر بشهر ، وإذا لم يحتاجوا إلى القتال لم يفعلوا ذلك . ( 3 : 29 ) البيضاويّ : فيتركونه على حرمته . قيل : أوّل من أحدث ذلك جنادة بن عوف الكنانيّ كان يقوم على جمل في الموسم ، فينادي : إنّ آلهتكم قد أحلّت لكم المحرّم فأحلّوه ، ثمّ ينادي في القابل : إنّ آلهتكم قد حرّمت عليكم المحرّم فحرّموه . ( 1 : 415 ) أبو السّعود : أي يحافظون على حرمته كما كانت ، والتّعبير عن ذلك بالتّحريم باعتبار إحلالهم له في العام الماضي أو لإسنادهم له إلى آلهتهم ، كما سيجيء . ( 3 : 146 ) مثله الآلوسيّ ( 10 : 94 ) ، ونحوه البروسويّ ( 3 : 426 ) ، والقاسميّ ( 8 : 3143 ) . وتمام الكلام سيأتي في « ن س ء - النّسىء » .