مجمع البحوث الاسلامية
615
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
المعنى عليه ، لأنّه إذا قيل : حرّم عليك الخمر ، إنّما يفهم منه شربها ، وحرّمت عليك الميتة ، أي أكلها ، وهذا من هذا القبيل ، فالمعنى نكاح أمّهاتكم ، ولأنّه قد تقدّم ما يدلّ عليه ، وهو قوله : وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ النّساء : 22 . [ ثمّ ذكر قول الفخر الرّازيّ ملخّصا وأضاف : ] وهذه البحوث الّتي ذكرها لا تختصّ بهذا الموضع ولا طائل فيها ؛ إذ من البواعث على حذف الفاعل العلم به ، ومعلوم أنّ المحرّم هو اللّه تعالى ، ألا ترى إلى آخر الآية ، وهو قوله : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً وقال بعد : ( واحلّ لكم ما وراء ذلكم ) على قراءة من بناه للفاعل . ومتى جاء التّحريم من اللّه فلا يفهم منه إلّا التّأبيد ، فإن كان له حالة إباحة نصّ عليها ، كقوله : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ البقرة : 173 . وأمّا أنّه صيغة ماض فيخصّه ، فالأفعال الّتي جاءت يستفاد منها الأحكام الشّرعيّة وإن كانت بصيغة الماضي ، فإنّها لا تخصّه ، فإنّها نظير : أقسمت لأضربنّ زيدا ، لا يراد بها أنّه صدر منه إقسام في زمان ماض ، فإن كان الحكم ثابتا قبل ورود الفعل ففائدته تقرير ذلك الحكم الثّابت ، وإن لم يكن ثابتا ففائدته إنشاء ذلك الحكم وتجديده . وأمّا أنّ الظّاهر أنّه يحرم على كلّ أحد جميع أمّهاتهم ، فليس بظاهر ولا مفهوم من اللّفظ ، لأنّ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ عامّ يقابله عامّ ، ومدلول العموم أن تقابل كلّ واحد بكلّ واحد واحد . أمّا أن يأخذ ذلك على طريق الجمعيّة فلا ، لأنّها ليست دلالة العامّ ، فإنّما المفهوم حرّم على كلّ واحد واحد منكم كلّ واحدة واحدة من أمّ نفسه ، والمعنى : حرّم على هذا أمّه . ( 3 : 209 ) السّيوطيّ : قيل : مجملة ، لأنّ إسناد التّحريم إلى العين لا يصحّ ، لأنّه إنّما يتعلّق بالفعل ، فلا بدّ من تقديره ، وهو محتمل لأمور لا حاجة إلى جميعها ، ولا مرجّح لبعضها . وقيل : لا ، لوجود المرجّح ، وهو العرف ، فإنّه يقضي بأنّ المراد تحريم الاستمتاع بوطء أو نحوه ، ويجري ذلك في كلّ ما علّق فيه التّحريم والتّحليل بالأعيان . ( 3 : 63 ) أبو السّعود : ليس المراد تحريم ذواتهنّ ، بل تحريم نكاحهنّ وما يقصد به من التّمتّع بهنّ ، وبيان امتناع ورود ملك النّكاح عليهنّ ، وانتفاء محلّيّتهنّ له أصلا . وأمّا حرمة التّمتّع بهنّ بملك اليمين - في الموادّ الّتي يتصور فيها قرار الملك ، كما في بعض المعطوفات على تقدير رقّهنّ - فثابتة بدلالة النّصّ ، لاتّحاد المدار الّذي هو عدم محلّيّة أبضاعهنّ للملك ، لا بعبارته بشهادة سباق النّظم الكريم وسياقه . وإنّما لم يوجب المدار المذكور امتناع ورود ملك اليمين عليهنّ رأسا ، ولا حرمة سببه الّذي هو العقد أو ما يجري مجراه - كما أوجب حرمة عقد النّكاح وامتناع ورود حكمه عليهنّ - لأنّ مورد ملك اليمين ليس هو البضع الّذي هو مورد ملك النّكاح حتّى يفوت بفوات محلّيّته له كملك النّكاح ، فإنّه حيث كان مورده ذلك فات بفوات محلّيّته له قطعا ، وإنّما مورده الرّقبة الموجودة في كلّ