مجمع البحوث الاسلامية

610

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

على شريعة موسى عليه السّلام كان يقرّر السّبت ، ويستقبل بيت المقدس ، ثمّ إنّه فسّر قوله : وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ بأمرين : أحدهما : أنّ الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ، ونسبوها إلى موسى ، فجاء عيسى عليه السّلام ورفعها وأبطلها ، وأعاد الأمر إلى ما كان في زمن موسى عليه السّلام . الثّاني : أنّ اللّه تعالى كان قد حرّم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم على بعض ما صدر عنهم من الجنايات ، كما قال اللّه تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ النّساء : 160 ، ثمّ بقي ذلك التّحريم مستمرّا على اليهود ، فجاء عيسى عليه السّلام ، ورفع تلك التّشديدات عنهم . وقال آخرون : إنّ عيسى عليه السّلام رفع كثيرا من أحكام التّوراة ، ولم يكن ذلك قادحا في كونه مصدّقا بالتّوراة على ما بيّنّاه ، ورفع السّبت ، ووضع الأحد قائما مقامه ، وكان محقّا في كلّ ما عمل ، لما بيّنّا أنّ النّاسخ والمنسوخ كلاهما حقّ وصدق . ( 8 : 62 ) أبو حيّان : قال بعض المفسّرين حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إشارة إلى ما حرّمه الأحبار بعد موسى وشرّعوه ، فكأنّ عيسى ردّ أحكام التّوراة إلى حقائقها الّتي نزلت من عند اللّه . [ إلى أن قال : ] والمراد ب « بعض » مدلولها المتعارف ، وزعم أبي عبيدة أنّ المراد به هنا معنى كلّ ، خطأ ، لأنّه كان يلزم أن يحلّ لهم القتل والزّنى والسّرقة ، لأنّ ذلك محرّم عليهم ، واستدلاله على أنّ « بعضا » تأتي بمعنى كلّ بقول لبيد . [ المتقدّم في قول الزّجّاج ] ليس بصحيح ، لأنّ « بعضا » على مدلوله إذ يريد نفسه فهو تبعيض صحيح ، وكذلك استدلال من استدلّ بقوله : إنّ الأمور إذا الأحداث دبّرها * دون الشّيوخ ترى في بعضها خللا لصحّة التّبعيض ؛ إذ ليس كلّ ما دبّره الأحداث يكون فيه الخلل . وقال بعضهم : لا يقوم « بعض » مقام « كلّ » إلّا إذا دلّت قرينة على ذلك ، نحو قوله : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض يريد بعض الشّرّ أهون من كلّه ، انتهى . وفي ذلك نظر . ( 2 : 468 ) أبو السّعود : أي في شريعة موسى عليه الصّلاة والسّلام من الشّحوم والثّروب والسّمك ولحوم الإبل والعمل في السّبت . قيل : أحلّ لهم من السّمك والطّير ما لا صئصئة له ، واختلف في إحلال السّبت . وقرئ ( حرّم ) على تسمية الفاعل ، وهو ما بين يديّ أو اللّه عزّ وجلّ . وقرئ ( حرم ) بوزن « كرم » وهذا يدلّ على أنّ شرعه كان ناسخا لبعض أحكام التّوراة ، ولا يخلّ ذلك بكونه مصدّقا لها ، لما أنّ النّسخ في الحقيقة بيان وتخصيص في الأزمان . وتأخير المفعول عن الجارّ والمجرور لما مرّ مرارا من المبادرة إلى ذكر ما يسرّ المخاطبين ، وللتّشويق إلى ما أخّر . ( 1 : 372 )