مجمع البحوث الاسلامية
589
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
بقوله : ( كان حلّا ) في صدر الكلام ، وقوله : ( الّا ما حرّم ) استثناء معترض . ومن ذلك يظهر أن لا حاجة إلى أخذ ( إسرائيل ) بمعنى بني إسرائيل ، كما توهّما مستندين إلى عدم استقامة المعنى دونه . على أنّ إطلاق ( إسرائيل ) وإرادة : بني إسرائيل ، وإن كان جائزا على حدّ قولهم : بكر وتغلب ونزار وعدنان : يريدون بني بكر وبني تغلب وبني نزار وبني عدنان ، لكنّه في « بني إسرائيل » من حيث الوقوع استعمال غير معهود عند العرب في عهد النّزول ، ولا أنّ القرآن سلك هذا المسلك في هذه الكلمة ، في غير هذا المورد الّذي يدّعيانه ، مع أنّ ( بنى اسراييل ) مذكور فيه فيما يقرب من أربعين موضعا ، ومن جملتها نفس الآية : كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ فما هو الفرق على قولهما بين الموضعين في الآية ؟ حيث عبّر عنهم أوّلا ب ( بنى اسراييل ) ثمّ أردف ذلك بقوله : ( إسرائيل ) مع أنّ المقام من أوضح مقامات الالتباس ، وناهيك في ذلك أنّ الجمّ الغفير من المفسّرين فهموا منه أنّ المراد به : يعقوب لا بنوه . ومن أحسن الشّواهد على أنّ المراد به : يعقوب قوله تعالى : ( على نفسه ) بإرجاع ضمير المفرد المذكّر إلى إسرائيل ، ولو كان المراد به بني إسرائيل لكان من الّلازم أن يقال : على نفسها أو على أنفسهم . ( 3 : 345 ) مكارم الشّيرازيّ : لقد صرّحت الآية الأولى من هذه الآيات الثّلاث بتنفيذ كلّ المزاعم اليهوديّة حول تحريم بعض أنواع الطّعام الطّيّب ، مثل لحوم الإبل وألبانها ، وردّت على هذه الكذبة بقولها : كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ أمّا لماذا حرّم إسرائيل على نفسه بعض الأطعمة ؟ وما هو نوع الأطعمة الّتي حرّمها على نفسه ؟ فلم يرد في الآية أيّ توضيح بشأنها ، بيد أنّ المستفاد من الرّوايات الإسلاميّة هو أنّ يعقوب كان - كما قيل - كلّما أكل من لحم الإبل أخذه وجع العرق الّذي يقال له : عرق النّساء ، فعزم إن شفاه اللّه على أن يحرّم لحم الإبل على نفسه ، فاقتدى به أتباعه في هذا ، حتّى اشتبه الأمر على من أتوا من خلفهم فيما بعد ، فتصوّر بعض أنّه تحريم إلهيّ ، فاعتبروا ذلك حكما ، ونسبوه إلى اللّه ، وادّعوا بأنّه حرّم عليهم لحم الإبل ، فنزلت الآية تفنّد هذا الزّعم ببيان علّة الالتباس ، وتصرّح بأنّ نسبة هذا التّحريم إلى اللّه سبحانه محض اختلاق . وعلى هذا فقد كان كلّ الطّعام حلالا ، ولم يكن شيء من الطّيّبات منه حراما على بني إسرائيل قبل نزول التّوراة ، كما يفيد قوله سبحانه : مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ وإن كان قد حرّمت - بعد نزول التّوراة ومجيء موسى بن عمران - بعض الأطعمة الطّيّبة ، على اليهود لظلمهم وعصيانهم ، تنكيلا بهم ، وجزاء لظلمهم . . . ( 2 : 451 ) فضل اللّه : كانت هذه الآيات من أجل أن تضع القضيّة في موضعها من الحقيقة الدّينيّة التّاريخيّة ، وهي أنّ اللّه لم يحرّم على بني إسرائيل شيئا قبل نزول التّوراة ، بل كانت الأطعمة كلّها حلالا منذ عهد إبراهيم حتّى عهد